صديق الحسيني القنوجي البخاري
550
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال ابن عباس : دؤبهما في طاعة اللّه ، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة ولا يفتران ولا ينقطع سيرهما في فلكهما ، وهو السماء الرابعة للشمس ، وسماء الدنيا للقمر إلى آخر الدهر ، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يتعاقبان ، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم ، والليل لتسكنوا فيه كما قال سبحانه وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] ولم يقتصر على النعم المتقدمة بل . وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ نوع وصنف ما سَأَلْتُمُوهُ قال الأخفش : أي أعطاكم من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر ، وقيل المعنى من كل ما سألتم ومن كل ما لم تسألوه قاله ابن الأنباري : لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى ؛ وقيل من زائدة وبه قال الأخفش ، أي آتاكم كل ما سألتموه ، وقيل للتبعيض أي بعض ما سألتموه ، وهو رأي سيبويه . قال عكرمة : أي من كل شيء رغبتم إليه فيه ، وعن مجاهد مثله ، وعن الحسن من كل الذي سألتموه ، وقرىء مِنْ كُلِّ بتنوين ، وعلى هذا ما نافية حرفية ، أي آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له ، أو مصدرية أو موصولة اسمية . وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي وإن تتعرضوا لتعداد النعم التي أنعم اللّه تعالى بها عليكم إجمالا فضلا عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال . وفي السمين : النعمة هنا بمعنى المنعم به ، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها . ومن المعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم اللّه به عليه في خلق عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط ولا أمكنه أصلا فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه اللّه في بدنه فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنويعها واختلاف أجناسها ، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت ، ومما علمناه شكرا لا يحيط به حصر ولا يحصره عد ، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان . قال سليمان التيمي : إن اللّه أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم وعن بكر بن عبد اللّه المزني قال : يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم اللّه عليك فغمض عينيك . وعن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه قال : من لم يعرف نعمة اللّه عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه ، وعن أبي أيوب القرشي قال : قال داود