صديق الحسيني القنوجي البخاري

548

فتح البيان في مقاصد القرآن

عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] وقوله في العنكبوت يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [ العنكبوت : 56 ] وقوله في سبأ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] وفي سورة الزمر قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [ الزمر : 53 ] . الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ لما أمره بأن يقول للمبدلين نعمة اللّه كفرا الجاعلين له أندادا ما قاله لهم ، أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم وهي طائفة المؤمنين هذا القول ، والمقول محذوف دل عليه المذكور ، أي قل لهم أقيموا الصلاة الواجبة ، وإقامتها إتمام أركانها ، وانفقوا أي اخرجوا الزكاة المفروضة ، وقيل أراد به جميع الانفاق في جميع وجوه الخير والبر ، والحمل على العموم أولى ويدخل فيه الزكاة دخولا أوليا . سِرًّا وَعَلانِيَةً قال الفراء : أي مسرين ومعلنين أو انفاق سر وعلانية أو وقت سر وعلانية فالانتصاب على الحال أو المصدر أو الظرف . قال الجمهور السر ما خفي والعلانية ما ظهر ، وقيل السر التطوع والعلانية الفرض ، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [ البقرة : 271 ] . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ قال أبو عبيدة : البيع ههنا الفداء والخلال المخالة وهو مصدر . قال الواحدي : هذا قول جميع أهل اللغة . وقال أبو علي الفارسي : جمع خلة مثل قلة وقلال وبرمة وبرام وعلبة وعلاب ، والمعنى أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب اللّه بدفع عوض عن ذلك ، وليس هناك مخالة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب . فأمرهم سبحانه بالانفاق في وجوه الخير مما رزقهم اللّه سبحانه ما داموا في الحياة الدنيا ، قادرين على انفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة فإنهم لا يقدرون على ذلك ، بل لا مال لهم إذ ذاك ، فالجملة لتأكيد مضمون الأمر بالانفاق مما رزقهم اللّه ، ويمكن أن يكون فيها أيضا تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة ، وذلك لأن تركها كثيرا ما يكون بسبب الاشتغال بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء . قيل هذه الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفيها بسبب ميل الطبيعة وشهوة النفس ، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها كقوله سبحانه في الزخرف الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة اللّه ، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط ونفاها عن غيرهم . وقيل إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة ؛ ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض إذا كانت تلك المخالة للّه تعالى في محبته ، وقد تقدم تفسير البيع والخلال .