صديق الحسيني القنوجي البخاري

538

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 20 إلى 22 ] وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 ) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ( 21 ) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 22 ) وَما ذلِكَ أي الإذهاب والإتيان بإعدام الموجود وإيجاد المعدوم عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي بممتنع ومتعذر لأنه سبحانه قادر على كل شيء ، وفيه أن اللّه تعالى هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه ، فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً أي الخلائق من قبورهم يوم القيامة ، والبروز الظهور والبراز بالفتح المكان الواسع لظهوره ، ومنه امرأة برزة أي تظهر للرجال ، وبرز حصل في البراز أي الفضاء ، وذلك بأن يظهر بذاته كلها ، فمعنى برزوا ظهروا من قبورهم . وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه كما هو مقرر في علم المعاني وإنما قال وبرزوا للّه مع كونه سبحانه عالما بهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم بروزا أو لم يبرزوا لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على اللّه تعالى ، فالكلام خارج على ما يعتقدونه . فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي قال الاتباع الضعفاء في الرأي للرؤساء الأقوياء المتكبرين بما هم فيه من الرياسة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا في الدين والاعتقاد فكذبنا الرسل وكفرنا باللّه متابعة لكم ، والتبع جمع تابع مثل خادم وخدم وحارس وحرس وراصد ورصد ، أو مصدر وصف به للمبالغة أو على تقدير ذوي تبع . قال الزجاج : جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم وقادتهم عن عبادة اللّه أنا كنا لكم تبعا . فَهَلْ أَنْتُمْ في هذا اليوم ، والاستفهام للتوبيخ مُغْنُونَ أي دافعون عَنَّا يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى وأغناه إذا أوصل إليه النفع مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي بعض الشيء الذي هو عذاب اللّه ، فمن الأولى للبيان والثانية للتبعيض قاله الزمخشري ، وقيل هما للتبعيض معا قاله في الكشاف أيضا وقيل الأولى تتعلق بمحذوف والثانية مزيدة . قالُوا أي قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين لَوْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإيمان في الدنيا لَهَدَيْناكُمْ إليه ولكن لما أضللنا وضللنا دعوناكم إلى الضلالة