صديق الحسيني القنوجي البخاري

539

فتح البيان في مقاصد القرآن

واضللناكم واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، والجملة مستأنفة كأنه قيل كيف أجابوا ، وقيل المعنى لو هادنا اللّه إلى طريق الجنة لهديناكم إليها ، وقيل لو نجانا اللّه من العذاب لنجيناكم منه . سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا أي مستو علينا الجزع والصبر ، والجزع أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده وبقطعه عنه والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما في قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [ البقرة : 6 ] . ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ أي منجاة ومهرب من العذاب من الحيص وهو العدول على جهة الفرار يقال حاص فلان عن كذا أي فرّ وزاغ يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا . والمعنى ما لنا وجه نتباعد به عن النار ، ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين وإن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين ، وفي مجيء كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلّا من المعاني مستقل بنفسه كاف في الإخبار ، وقال زيد بن أسلم : جزعوا مائة سنة وصبروا مائة سنة . وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن مالك يرفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول أهل النار هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا هلموا فلنجزع فبكوا خمسمائة عام ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص » . والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار كما في قوله تعالى : وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ [ غافر : 47 ، 48 ] . وَقالَ الشَّيْطانُ للفريقين لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار على ما سيأتي بيانه في سورة مريم إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ فصدق في وعده وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب ومجازاة المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . قال الفراء : وعد الحق هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولهم مسجد الجامع ؛ وقال البصريون وعدكم وعد اليوم الحق . وَوَعَدْتُكُمْ وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار فَأَخْلَفْتُكُمْ ما وعدتكم به من ذلك وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم . إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ أي مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان ودعوته لهم ليست من جنس السلطان حتى يستثنى منه بل الاستثناء منقطع أي