صديق الحسيني القنوجي البخاري

537

فتح البيان في مقاصد القرآن

مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كلام مستأنف منقطع عما قبله ، قال سيبويه : تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين ، والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة . وقال الزجاج والفراء : التقدير مثل اعمال الذين . وروي عنه أنه قال بالغاء مثل ، وقيل مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول مثلهم فقيل : أَعْمالُهُمْ الصالحة كالصدقة وصلة الأرحام وفك الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين ونحو ذلك أو عبادتهم الأصنام في عدم الانتفاع بها أو الأعمال التي أشركوا فيها غير اللّه تعالى . كَرَمادٍ أي باطلة غير مقبولة ، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشيء ، وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد احتراقه بالنار وجمعه في الكثرة على رمد ؛ وفي القلة على أرمد . اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ حملته بشدة وسرعة فنسفته وطيّرته ولم تبق منه شيئا فِي يَوْمٍ عاصِفٍ العصف شدة الريح وصف به زمانها مبالغة كما يقال يوم حار ويوم بارد والبرد والحر فيهما لا منهما والاسناد فيه تجوّز ، ووجه الشبه أن الريح العاصفة تطيّر الرماد وتفرّق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر ، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم واحبطها بحيث لا يبقى لها أثر . وقد بيّن محصله بقوله : لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا من تلك الأعمال الباطلة عَلى شَيْءٍ منها ولا يرون له أثرا في الآخرة يجازون به ويثابون عليه ، جميع ما عملوه في الدنيا باطل ذاهب كذهاب الرح بالرماد عند شدة هبوبها وهو فذلكة التمثيل . وعن ابن عباس : لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف . ذلِكَ أي ما دل عليه التمثيل من هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها هُوَ الضَّلالُ الهلاك الْبَعِيدُ عن طريق الحق المخالف لمنهج الثواب أو عن فعل الثواب ، ولما كان هذا خسرانا لا يمكن تداركه ولا يرجى عوده سماه بعيدا أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الرؤية هنا هي القلبية والخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعريضا لأمته أو الخطاب لكل من يصلح له بِالْحَقِّ أي بالوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقها عليه ليستدل بها على كمال قدرته لا باطلا ولا عبثا والباء للمصاحبة . ثم بيّن كمال قدرته سبحانه واستغنائه عن كل أحد من خلقه فقال : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الناس وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ سواكم فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين ؛ ويهلك العصاة ، ويأتي بمن يطيعه من خلقه ، لأن القادر لا يصعب عليه شيء وأنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان ، ويحتمل أن يكون من نوع آخر .