صديق الحسيني القنوجي البخاري
536
فتح البيان في مقاصد القرآن
بعد إبطاء كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ [ الحج : 20 ] قيل كاد صلة ، وقال الزمخشري للمبالغة ؛ وقيل معناه لا يجيزه . أخرج أحمد والترمذي واستغربه والنسائي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم في الحلية وصححه عن أبي أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الآية قال : « يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره » « 1 » يقول اللّه وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] وقال : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً [ الكهف : 29 ] . وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ أي أسبابه مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من كل جهة من الجهات من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله ، أو من كل موضع من مواضع بدنه . وقال الأخفش : المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار ، سماها موتا لشدتها . وقال ابن عباس : يعني أنواع العذاب وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت ، ولكنه لا يموت لأن اللّه يقول لا يقضى عليهم فيموتوا . وقال ميمون بن مهران : المعنى من كل عظم وعرق وعصب . وعن محمد بن كعب نحوه ، وعن إبراهيم التيمي قال : من موضع كل شعرة في جسده . وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح . وقيل تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا ، ومثله قوله : لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ طه : 74 ] . وقيل المعنى وما هو بميت لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه ، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه : لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ طه : 74 ] وقوله : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [ فاطر : 36 ] . وَمِنْ وَرائِهِ أي من أمامه أو من بعده أو من بين يديه ، قاله البيضاوي . وقيل الضمير عائد على كل جبار كما في السمين عَذابٌ غَلِيظٌ أي شديد يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه ، قيل هو الخلود في النار ، قال إبراهيم التيمي وقيل حبس الأنفاس ، قاله فضيل بن عياض .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في جهنم باب 4 ، 5 ، وأحمد في المسند 5 / 265 .