صديق الحسيني القنوجي البخاري

532

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِلى أَجَلٍ أي وقت مُسَمًّى عنده سبحانه وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا . قالُوا إِنْ أي ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا في الهيئة والصورة ، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب ، فلا فضل لكم علينا ولستم ملائكة تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا وصفوهم بالبشر أولا ثم بإرادة الصدّ لهم عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا أي آباؤهم ثانيا أي تريدون أن تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها فَأْتُونا إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند اللّه بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي حجة ظاهرة واضحة تدل على صحة ما تدعونه من المزية أو النبوة وقد جاؤوهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة ولكن هذا نوع من تعنتاتهم ولون من تلوناتهم . قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ مسلمين مشاركتهم في الجنس إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي في الصورة والهيئة كما قلتم لا ننكر ذلك وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ ويتفضل عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بالنبوة والرسالة ، وقيل بالتوفيق والهداية جعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل اللّه تعالى وفيه دليل على أن النبوة أمر وهبي لا كسبي كما يزعمه المتفلسفة والحكماء . وَما كانَ أي ما صح لَنا ولا استقام أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ أي بحجة من الحجج ، وقيل المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت ، وقيل أعم من ذلك فإن ما شاء اللّه كان وما لم يشأه لم يكن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بمشيئته وإرادته وليس ذلك في قدرتنا ، وقيل بأمره لنا بالإتيان أي إذنه لنا فيه والأول أولى . وَعَلَى اللَّهِ وحده فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في دفع شرور أعدائهم عنهم وفي الصبر على معاداتهم وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على اللّه دون من عداه وكأن الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصدا أوليا ولهذا قالوا : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 12 إلى 16 ] وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) وَما لَنا أي وأيّ مانع وعذر لنا في أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ سبحانه في دفع شروركم عنا ، فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم والاستفهام للإنكار وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا بضم الباء وسكونها سبعيتان ، أي والحال إنه قد فعل بنا ما يوجب التوكل عليه