صديق الحسيني القنوجي البخاري
533
فتح البيان في مقاصد القرآن
ويستدعيه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه وعرفنا طريق النجاة وبيّن لنا الرشد . وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة وَ اللّه لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا من وقوع التكذيب لنا منكم والعناد والاقتراحات الباطلة وغير ذلك مما لا خير فيه وما مصدرية أو موصولة اسمية وَعَلَى اللَّهِ وحده دون من عداه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ قيل المراد بالتوكل الأول استحداثه وإنشاؤه ، وبهذا السعي في بقائه وثبوته فالتوكلان مختلفان . وقيل معنى الأول إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على اللّه سبحانه لا علينا ، فإن شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم يظهرها . ومعنى الثاني إبداء التوكل على اللّه في دفع شر الكفار وسفاهتهم . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هم طائفة من المتمردين عن إجابة الرسل لِرُسُلِهِمْ واللام في لَنُخْرِجَنَّكُمْ هي الموطئة للقسم ، أي واللّه لنخرجنكم مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا لم يقنعوا برد ما جاءت به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترؤوا عليهم بهذا وخيروهم بين الخروج من أرضهم أو العود في ملتهم الكفرية . وقد قيل إن أَوْ بمعنى حتى أو بمعنى إلا أن كما قاله بعض المفسرين ، ورد بأنه لا حاجة إلى ذلك بل أو على بابها للتخيير بين أحد الأمرين ، قيل والعود هنا بمعنى الصيرورة ، أي لتصيرن داخلين في ديننا أي في الشرك لعصمة الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها ، وقيل إن الخطاب للرسل ولمن آمن بهم فغلب الرسل على أتباعهم ، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأعراف فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي إلى الرسل بعد هذه المخاطبات والمحاورات رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ أي أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوكم من الإخراج أو العود . مِنْ بَعْدِهِمْ أي بعد هلاكهم ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا [ الأعراف : 137 ] وقال : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ [ الأحزاب : 27 ] . عن ابن عباس قال : كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم ، فأبى اللّه لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر ، وأمرهم أن يتوكلوا على اللّه وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم ، فأنجز لهم ما وعدهم واستفتحوا كما أمرهم اللّه أن يستفتحوا .