صديق الحسيني القنوجي البخاري
507
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل الذكر هنا الطاعة وقيل بوعد اللّه وقيل بالحلف باللّه فإذا خلف خصمه باللّه سكن قلبه ، قاله السدي ، وقيل بذكر رحمته ، وقيل بذكر دلائله الدالة على توحيده ، وقال قتادة هشت إليه واستأنست به ، وقال مجاهد بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ولا مانع من حمل الآية على جميعها . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ وحده دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنيويات تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ والنظر في مخلوقات اللّه سبحانه وبدائع صنعه وإن كان يفيد طمأنينة في الجملة لكن ليست كهذه الطمأنينة وكذلك النظر في المعجزات من الأمور التي لا يطيقها البشر فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر اللّه ، فهذا وجه ما يفيده هذا التركيب من القصر . وأما قوله تعالى في الأنفال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] والوجل ضد الاطمئنان فالمعنى أنهم إذا ذكروا العقوبات وجلوا وإذا ذكروا المثوبات سكنوا . أخرج أبو الشيخ عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لأصحابه حين نزلت هذه الآية : « هل تدرون ما معنى ذلك » ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « من أحب اللّه ورسوله وأحب أصحابي » . وأخرج ابن مردويه عن عليّ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : « ذلك من أحب اللّه ورسوله وأحب أهل بيته صادقا غير كاذب وأحب المؤمنين شاهدا وغائبا ألا بذكر اللّه يتحابون » . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 29 إلى 30 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ( 29 ) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ ( 30 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ خبره جملة طُوبى لَهُمْ وجاز الابتداء بطوبى إما لأنها علم لشيء بعينه وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء كسلام عليك وويل له ، قال أبو عبيدة والزجاج وأهل اللغة : طوبى فعلى من الطيب فهو يائي وأصله طيبي ، قال ابن الأنباري : وتأويلها الحال المستطابة ، وقيل طوبى شجرة في الجنة . وقيل هي الجنة وقيل هي البستان بلغة الهند وقيل هي اسم الجنة بالحبشية وقيل معناه حسنى لهم وقيل خير لهم وقيل كرامة لهم وقيل غبطة لهم قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة ، واللام في لهم للبيان مثل سقيا لك ورعيا لك . قال الأزهري : تقول طوبى لك وطوباك لحن لا تقوله العرب وهو قول أكثر