صديق الحسيني القنوجي البخاري
499
فتح البيان في مقاصد القرآن
كَذلِكَ الضرب البديع يَضْرِبُ أي يبين اللَّهُ المثل الْحَقَّ أي الإيمان وَ المثل الْباطِلَ أي الكفر فالحق هو الماء والجوهر الصافي الثابت والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ينتفع به ثم شرع في تتميم المثل فقال : فَأَمَّا الزَّبَدُ بقسميه فَيَذْهَبُ جُفاءً باطلا مرميا به يقال جفأ الوادي غثاء جفأ إذا رمى به أي يرميه الماء إلى الساحل ويرميه الكير فلا ينتفع به والجفاء بمنزلة الغثاء وكذا قال أبو عمرو بن العلاء ، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ جفالا قال أبو عبيدة أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته ، قال أبو حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار . والمعنى يذهب باطلا ضائعا أي أن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب ، وقيل الجفاء المتفرق قاله ابن الأنباري يقال جفأت الريح السحاب أي قطعته وفرقته ووجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام المتطرقة أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبدا رابيا فوقه وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام المتطرقة فإن أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب فإذا أذيبت صار ذلك التراب الذي خالطها خبثا مرتفعا فوقها . وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ منها وهو الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام المذابة والذائب الخالص من الخبث فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أي يثبت فيها ويبقى ولا يذهب ، أما الماء فإنه يسلك في عروق الأرض فينتفع الناس به ، وأما ما أذيب من تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية وأمتعة . وهذان مثلان ضربهما اللّه سبحانه للحق والباطل يقول إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه فإن اللّه سبحانه سيمحقه ويبطله ، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل ، وكخبث هذه الأجسام فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه فهذا مثل الباطل . وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعي فيمكث في الأرض وكذلك الصفو من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه وهو مثل الحق . قال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شيء ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا بها ، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به ، وقد حكينا عن ابن الأنباري فيما تقدم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ذكرناه فجعل ذلك مثلا ضربه اللّه للقرآن .