صديق الحسيني القنوجي البخاري

500

فتح البيان في مقاصد القرآن

كَذلِكَ الضرب العجيب يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ في كل باب لكمال العناية بعباده واللطف بهم في الإرشاد والهداية ، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما جميعا . ثم بيّن سبحانه من ضرب له مثل الحق ومثل الباطل من عباده ، فقال فيمن ضرب به مثل الحق لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ خبر مقدم ، أي أجابوا دعوته إذ دعاهم إلى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه . الْحُسْنى مبتدأ مؤخر ، أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ، وبه قال جمهور المفسرين ، وقيل الحسنى هي المنفعة العظمى الخالصة الخالية عن شوائب المضرة والانقطاع والأول أولى . وهو قول ابن عباس . وقال سبحانه فيمن ضرب له مثل الباطل : وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ أي لدعوته إلى ما دعاهم إليه وهم الكفار الذين استمروا على كفرهم وشركهم وما كانوا عليه ، والموصول مبتدأ أخبر عنه بثلاثة أخبار ، الأول الجملة الشرطية وهي لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من أصناف الأموال التي يتملكها العباد ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم منها شيء وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي مثل ما في الأرض جميعا كائنا معه ومنضما إليه لَافْتَدَوْا بِهِ أي بمجموع ما ذكر وهو ما في الأرض ومثله ، والمعنى ليخلصوا به مما هم فيه من العذاب الكبير والهول العظيم ، ثم بيّن سبحانه ما أعد لهم فقال : أُولئِكَ يعني الذين لم يستجيبوا وهو خبر ثان للموصول لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ من إضافة الصفة للموصوف أي الحساب السئ ، وهو أن يحاسب الرجل بذنبه كله ولا يغفر له منه شيء . قال الزجاج : لأن كفرهم أحبط أعمالهم ، وقال غيره هو المناقشة فيه ، وفي الحديث « من نوقش الحساب عذب » « 1 » وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي مرجعهم إليها وَبِئْسَ الْمِهادُ أي المستقر الذي يستقرون فيه أو الفراش الذي يفرش لهم في جهنم ، والمخصوص بالذم محذوف وهو خبر ثالث للموصول المتقدم . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 19 إلى 23 ] أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ( 20 ) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ( 21 ) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 22 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 )

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في العلم باب 35 ، وتفسير سورة 84 ، باب 1 ، والرقاق باب 49 ، ومسلم في الجنة حديث 79 ، 80 ، وأبو داود في الجنائز باب 8 ، والترمذي في القيامة باب 5 ، وتفسير سورة 84 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 6 / 47 ، 48 ، 91 ، 108 ، 127 ، 185 ، 206 .