صديق الحسيني القنوجي البخاري

49

فتح البيان في مقاصد القرآن

وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم والثاني إخبار عن عذاب مكن اللّه الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق ، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف . وفي قوله : كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق والكلام في فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ كالكلام المتقدم في فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ قيل المعنى أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ ، فكذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف . وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ أي قومه معه معطوف على أهلكناهم عطف الخاص على العام لفظاعته وكونه من أشد أنواع الاهلاك وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ حكم على كلا الطائفتين من آل فرعون والذين من قبلهم ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم بما تسببوا به لعذاب اللّه من الكفر باللّه وآياته ورسله بالظلم لغيرهم كما كان يجري منهم في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم وبالتكذيب لأنبيائهم ، وجمع الضمير في كانُوا وفي ظالمين مراعاة لمعنى كُلٌّ لأن كلّ متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة ومعناها أخرى ، وإنما اختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل ولو روعي اللفظ فقط فقيل وكل كان ظالما لم تتفق الفواصل ، قاله السمين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 56 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي شر ما يدب على وجه الأرض في حكم اللّه وقضائه المصرون على الكفر المتمادون في الضلال ، وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى إنسلاخهم عن الإنسانية ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم ، ومع ذلك هم شر من جميع أفرادها حسبما نطق به قوله تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الفرقان : 44 ] عن سعيد بن جبير قال : نزلت في ستة رهط من اليهود فيهم ابن تابوت ولهذا قال : فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي هذا شأنهم لا يؤمنون أبدا ولا يرجعون عن الغواية أصلا . وهذا حكم مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه وتسجيل عليهم بكونهم من أهل الطبع لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف أصلا . جيء به على وجه الاعتراض لا أنه عطف على كفروا داخل معه في حيز الصلة التي لا حكم فيها بالفعل ، قاله أبو السعود الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ أي أخذت منهم عهدهم أن لا يعينوا المشركين أي كفار مكة قيل من في مِنْهُمْ صلة أي عاهدتهم وقيل للتبعيض أي الذين عاهدتهم ، وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف منهم . ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ الذي عاهدتهم ، وعطف المستقبل على الماضي للدلالة