صديق الحسيني القنوجي البخاري
50
فتح البيان في مقاصد القرآن
على استمرار النقض منهم ، وهؤلاء هم قريظة عاهدهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك فِي كُلِّ مَرَّةٍ من مرات المعاهدة فنقصوا وأعانوهم بالسلاح وقالوا نسينا العهد ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا الكفار عليه يوم الخندق وَهُمْ أي والحال أنهم لا يَتَّقُونَ اللّه في النقض والغدر ، ولا يخافون عاقبته ولا يتجنبون أسبابه . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 57 إلى 59 ] فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 ) ثم أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالشدة والغلظة عليهم فقال : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ أي فإما تصادفنهم في ثقاف وتلقاهم في حالة تقدر عليهم فيها وتتمكن من غلبهم وتظفر بهم يقال ثقفت الشيء ثقفا من باب تعب أخذته ، وثقفت الرجل في الحرب أدركته وثقفته ظفرت به ، وثقفت الحديث فهمته بسرعة والفاعل ثقيف وبه سمي حي من اليمن ، والثقاف في أصل اللغة ما يشد به القناة ونحوها يقال فلان ثقف أي سريع الوجود لما يحاوله . فَشَرِّدْ بِهِمْ أي ففرق بقتلهم والتنكيل بهم والعقوبة لهم مَنْ خَلْفَهُمْ من المحاربين لك من أهل الشرك كفار مكة حتى يهابوا جانبك ويكفوا عن حربك مخافة أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء أو يخافك من وراءهم من أهل مكة واليمن والتشريد التفريق مع الاضطراب والإزعاج ، وقال أبو عبيدة : شرد بهم سمّع بهم وقال الزجاج : أفعل بهم فعلا من القتل تفرق به من خلفهم ، يقال شردت بني فلان قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها ، ومنه شرد البعير إذا فارق صاحبه . وقرأ ابن مسعود بالذال ، قال قطرب : التشريذ هو التنكيل ، وبالمهملة هو التفريق ، وقال المهدوي : الذال المعجمة لا وجه لها ولا يعرف في اللغة لَعَلَّهُمْ أي الذين خلفهم يَذَّكَّرُونَ أي يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك ، قاله السدي . وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً أي غشا ونقضا للعهد من القوم المعاهدين بأمارة تلوح لك وهم قريظة والنضير فَانْبِذْ أي فأطرح إِلَيْهِمْ العهد الذي بينك وبينهم ، والنبذ الطرح ، وهذا مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد لهم بعد اليوم فشبه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه ، وأثبت النبذ له تخييلا ومفعوله محذوف وهو عهدهم ، قاله الشهاب . عَلى سَواءٍ أي طريقة مستوية والمعنى أنه يخبرهم أخبارا ظاهرا مكشوفا بالنقض ولا يناجزهم الحرب بغتة ، وقيل معنى على سواء على وجه يستوي في العلم بالنقض