صديق الحسيني القنوجي البخاري

488

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الكسائي : سرب يسرب سرابا وسروبا إذا ذهب ، وقال القتيبي : أي متصرف في حوائجه بسرعة من قولهم أسرب الماء . قال الأصمعي : حل سربه أي طريقته ، والسرب بالكسر النفس يقال هو واسع السرب أي رخى البال والسرب بفتحتين بيت في الأرض لا منفذ له وهو الوكر . وقال الزجاج : معنى الآية الجاهر بنطقه والمضمر في نفسه ، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات ، علم اللّه فيهم جميعا سواء وهذا الصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة بين المستخفي والسارب ، فالمستخفي المستتر ، والسارب البارز الظاهر ، ولنعم ما قاله بعضهم : يا من ترى مدّ البعوض جناحها * في ظلمة الليل البهيم الأليل وترى عروق نياطها في نحرها * والمخ في ذاك العظام النحل اغفر لعبد تاب من فرطاته * ما كان منه في الزمان الأول وقيل مستخف راكب رأسه في المعاصي ، وسارب ظاهر بالنهار بالمعاصي . وعن ابن عباس : قال هو صاحب ريبة مستخف بالليل ، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم . لَهُ الضمير راجع إلى مِنْ في قوله مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ أي لكل من هؤلاء مُعَقِّباتٌ هي المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه وهم الحفظة من الملائكة تعتقبه في قول عامة المفسرين ؛ قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض قيل هم خمسة بالليل وخمسة بالنهار . وفي الخطيب أنهم عشرون لكل إنسان عشرة بالليل وعشرة بالنهار ، وهو الذي في شرح الجوهرة ، وإنما قال معقبات مع كون الملائكة ذكورا لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ثم جمع معقبة على معقبات ذكر معناه الفراء كما قيل أبناوات سعد ، ورجالات بكر . وقيل أنث لكثرة ذلك منهم نحو نسابة وعلامة ، قال الجوهري : والتعقب العود بعد البدء قال اللّه تعالى : وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ [ النمل : 10 ] وقرىء معاقب جمع معقب وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر » « 1 » ، الحديث بطوله أخرجه الشيخان ، وقال ابن عباس هذه للنبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المواقيت باب 16 ، والتوحيد باب 23 ، 33 ، ومسلم في المساجد حديث 210 ، والنسائي في الصلاة باب 21 ، ومالك في السفر حديث 82 ، وأحمد في المسند 2 / 257 ، 312 ، 486 .