صديق الحسيني القنوجي البخاري
489
فتح البيان في مقاصد القرآن
قلت العموم أولى ويدخل فيه سبب النزول دخولا أوليا . مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي من بين يدي من له المعقبات ؛ والمراد أن الحفظة من الملائكة يتعاقبون من جميع جوانبه ، وقيل المراد بالمعقبات الأعمال ومعنى من بين يديه ومن خلفه ما تقدم منها وما تأخر يَحْفَظُونَهُ مِنْ أجل أَمْرِ اللَّهِ وقيل يحفظونه من بأس اللّه إذا أذنب بالاستمهال له والاستغفار حتى يتوب ، وقيل يحفظون عليه الحسنات والسيئات ، وقيل من شر طوارق الليل والنهار . قال الفراء في هذا قولان : أحدهما : إنه على التقديم والتأخير أي له معقبات من أمر اللّه يحفظونه من بين يديه ومن خلفه . والثاني : إن كون الحفظة يحفظونه هو مما أمر اللّه به ، قال الزجاج : المعنى حفظهم إياه من أمر اللّه أي مما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر اللّه قال ابن الأنباري : وفي هذا قول آخر وهو أن من بمعنى الباء أي يحفظونه بأمر اللّه واعانته واستظهره السفاقسي ، وقيل إن من بمعنى عن أي يحفظونه عن أمر اللّه بمعنى من عند اللّه لا من عند أنفسهم كقوله : أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ [ قريش : 4 ] أي عن جوع . وقيل يحفظونه من ملائكة العذاب وقيل يحفظونه من الجن والأنس فهي على بابها ، واختار ابن جرير أن المعقبات المواكب والحراس والجلاوزة بين أيدي الأمراء في حول السلطان على معنى أن ذلك لا يدفع عنه القضاء . وقال ابن عباس : ذلك الحفظ من أمر اللّه بأمر اللّه وبإذن اللّه ، لأنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق أن يحفظ أحدا من أمر اللّه ومما قضاه اللّه عليه إلا بأمره وإذنه ، وعن قتادة مثله . وعنه أيضا قال : وليّ السلطان يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه يقول يحفظونه من أمري ، فإني إذا أردت بقوم سوءا فلا مرد له ، وقال أيضا الملوك يتخذون الحرس يحفظونهم من أمامهم وعن خلفهم وعن شمالهم يحفظونهم من القتل ، ألم تسمع أن اللّه يقول : إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ أي إذا أراد سوءا لم تغن الحرس عنه شيئا . وعن عكرمة قال : هؤلاء الأمراء ، وعن ابن عباس قال : هم الملائكة تعقب بالليل تكتب على ابن آدم ويحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر اللّه خلوا عنه . وعن علي قال : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط أو يتردى في بئر أو يأكله سبع أو يغرق أو يحرق ، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر ، وقد ورد في ذكر الحفظة الموكلين بالإنسان أحاديث كثيرة مذكورة في كتب الحديث .