صديق الحسيني القنوجي البخاري
479
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَجَعَلَ فِيها جبالا رَواسِيَ أي ثوابت تمسكها عن الاضطراب واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها أي تثبت والرسو الثبوت وَأَنْهاراً أي مياها جارية في الأرض فيها منافع الخلق ، أو المراد جعل فيها مجاري الماء . وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ متعلق بجعل في قوله : جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كل منهما زوج الآخر ، وأكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان إذ يطلق الزوج على المجموع ، ولكن اثنينية ذلك اثنينية اعتبارية ، أي جعل من كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين ، إما في اللونية كالبياض والسواد ونحوهما أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما أو في القدر كالصغر والكبر أو في الكيفية كالحر والبرد وما أشبه ذلك ، ويجوز أن يتعلق بجعل الأول ويكون الثاني استئنافا لبيان كيفية ذلك الجعل ، قاله أبو السعود . قال الفراء : يعني بالزوجين هنا الذكر والأنثى من كل صنف ، ومثله عن مجاهد والأول أولى . يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يلبسه مكانه فيصير أسودا مظلما بعدما كان أبيضا منيرا أشبه إزالة نور الجو بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها أي يستر النهار بالليل ، والتركيب وإن احتمل العكس أيضا بالحمل على تقديم المفعول الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضا ساتر لظلمة الليل إلا أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي . وعدّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرا باعتبار ظهوره في الأرض فإن الليل إنما هو ظلها وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلا ، ولأن الليل والنهار لهما تعلق بالثمرات من حيث العقد والانضاج على أنهما أيضا زوجان متقابلان مثلها ، وقرىء يغشى من التغشية ، وقد سبق تفسير هذا في الأعراف . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من مد الأرض وإثباتها بالجبال وما جعله اللّه فيها من الثمرات المتزاوجة وتعاقب النور والظلمة لَآياتٍ بينة لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي للنظارين المتفكرين المعتبرين فيستدلون بالصنعة على الصانع وبالسبب على المسبب والفكر هو تصرف القلب في طلب الأشياء . وقال صاحب المفردات : الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل ، وذلك للإنسان دون الحيوان ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب ، ولهذا روى تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في اللّه إذ اللّه منزه عن أن يوصف بصورة . وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أي بقاع مختلفة ، وهذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات ، قيل وفي الكلام حذف ، أي قطع متجاورات وغير