صديق الحسيني القنوجي البخاري

478

فتح البيان في مقاصد القرآن

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي أمر العالم العلوي والسفلي يعني يقضيه ويمضيه وحده ، قاله مجاهد ، والمعنى يصرفه على ما يريد وهو أمر ملكوته وربوبيته يدبره على أكمل الأحوال وأتم الأفعال لا يشغله شأن عن شأن ، وقيل يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة ، ولا وجه للتخصيص بشيء دون شيء فإن اللفظ أوسع من ذلك ، قال الكرخي : وحمل التدبير على العموم أولى من حمله على نوع من أحوال العالم كما جرى عليه جمع من المفسرين ، وهذا التدبير والإنفاذ والإمضاء هو من فوق العرش وهو ظاهر نظم القرآن الكريم . يُفَصِّلُ أي يبين الْآياتِ الدالة على كمال قدرته وربوبيته ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى والمراد بهذا تنبيه العباد على أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة ولهذا قال : لَعَلَّكُمْ عند مشاهدة هذه الآيات بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه . ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ على وجه الماء ، قال الفراء : بسطها طولا وعرضا لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان ، وقال الأصم : إن المدّ هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه زاد الكرخي : فقوله مد الأرض يشعر بأنه تعالى جعل الأرض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه انتهى . وقيل وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها ، وبه قال أهل الهيئة ، واللّه أخبر أنه مد الأرض وأنه دحاها وبسطها وأنه جعلها فراشا وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف ، وهو أصدق قيلا وأبين دليلا من أصحاب الهيئة . وفي الجامع الصغير حديث رواه البيهقي عن ابن عباس ولفظه : أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن أول جبل وضعه اللّه على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال . وعن ابن عمرو قال : الدنيا مسيرة خمسمائة عام ، أربعمائة عام خراب ومائة عمران ، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة ، وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك تقريرات لم يأت عليها دليل يصح . وعن علي بن أبي طالب قال : لما خلق اللّه الأرض قمصت وقالت : أي رب تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث فأرسل اللّه فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون فكان إقرارها كاللحم ترجرج « 1 » .

--> ( 1 ) روى ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 4 / 108 ، حديث علي بلفظ : « قمصت بأرجلها وقنصت بأحبلها » .