صديق الحسيني القنوجي البخاري

472

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ هذا ردّ على من قال لولا أنزل عليه ملك أي لم نبعث من الأنبياء إلى من قبلهم إِلَّا رِجالًا لا ملائكة أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم ، قاله ابن عباس ، فكيف ينكرون إرسالنا إياك ، وتدل الآية على أن اللّه سبحانه لم يبعث نبيا من السماء ولا من الجن ، وهذا يرد على من قال إن في النساء أربع نبيات حواء وآسية وأم موسى ومريم . وقد كان بعثة الأنبياء من الرجال دون النساء أمرا معروفا عند العرب حتى ، قال قيس بن عاصم في سجاح المتنبئة : أضحت نبيتنا أنثى فطيف بها * وأصبحت أنبياء اللّه ذكرانا فلعنة اللّه والأقوام كلهم * على سجاح ومن باللوم أغرانا نُوحِي إِلَيْهِمْ كما نوحي إليك ، وقرىء بالياء مبنيا للمفعول مِنْ أَهْلِ الْقُرى أي المدائن والأمصار دون أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على البدو ولكون أهل الأمصار أتم عقلا وأكمل حلما وأحسن علما وأجل فضلا . قال قتادة : ما نعلم أن اللّه أرسل رسولا قط إلا من أهل القرى لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل المعمور ، وقال الحسن : لم يبعث نبي من بدو ولا من الجن ولا من النساء . أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أفلم يسر هؤلاء المشركون المنكرون لنبوة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فينظروا إلى مصارع الأمم الماضية فيعتبروا بهم وما حل بهم من عذاب اللّه حتى ينزعوا عما هم فيه من التكذيب . قال الحسن : أي كيف عذب اللّه قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذبها . وَلَدارُ الساعة الْآخِرَةِ أو الحالة الآخرة أو الحياة الآخرة على حذف الموصوف . وقال الفراء : إن الدار هي الآخرة ، وأضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ كيوم الجمعة وصلاة الأولى ومسجد الجامع ، والكلام في ذلك مبين في كتب الإعراب ، والمراد بهذه الدار الجنة ، وقرىء للدار الآخرة خَيْرٌ من دار الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ على الخطاب ، وقرىء بالتحتية أي يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنوا . حَتَّى غاية لمحذوف دل عليه الكلام ، وتقديره وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا ولم نعاجل أممهم الذين لم يؤمنوا بما جاؤوا به بالعقوبة حتى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ عن النصر بعقوبة قومهم ، أو حتى إذا استيأسوا من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر ، وقدره القرطبي إلا رجالا ثم لم نعاقب أمتهم حتى إذا ، وقدره ابن الجوزي إلا رجالا فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا ، وقدره