صديق الحسيني القنوجي البخاري
463
فتح البيان في مقاصد القرآن
وكانت تلك تحيتهم وهو يخالف معنى خروا له سجدا فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض . وقيل الضمير في له راجع إلى اللّه سبحانه أي وخروا للّه سجدا وهو بعيد جدا وقيل إن الضمير ليوسف عليه السلام واللام للتعليل أي وخروا لأجله وفيه أيضا بعد ، قال عدي بن حاتم في الآية كانت السجدة تحية من كان قبلكم فأعطاكم اللّه السلام مكانها ، وعن قتادة نحوه ، وعن ابن زيد قال ذلك سجود تشرفة كما سجدت الملائكة تشرفة لآدم وليس سجود عبادة وكان ذلك بأمر اللّه لتحقيق رؤياه . وَقالَ يوسف عليه السلام يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ التي تقدم ذكرها مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا الوقت في حال الصغر قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي صدقا بوقوع تأويلها في اليقظة على ما دلت عليه قيل وكان بين الرؤيا والتأويل أربعون سنة أو ثمانون أو ست وثلاثون أو اثنتان وعشرون ، وقيل خمس وثلاثون ، وقيل سبعون حكى هذه الأقوال كلها ابن الجوزي واللّه أعلم كم كان بينهما . وَقَدْ أَحْسَنَ بِي الأصل أن يتعدى فعل الإحسان بإلى وقد يتعدى بالباء كما في قوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ البقرة : 83 ] ويقال بي وإليّ بمعنى واحد ، وقيل إنه ضمن أحسن معنى لطف أي لطف بي محسنا إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ بعد ما ابتليت به ، ولم يذكر إخراجه من الجب ، لأن في ذكره نوع من تثريب وتخجيل للإخوة وقد قال لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وقد تقدم سبب سجنه ومدة بقائه فيه . وقد قيل إن وجه عدم ذكر إخراجه من الجب أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجب لأن دخوله الجب كان بحسد إخوته ودخوله السجن بسبب تهمة المرأة فإخراجه من السجن كان لزوال التهمة عنه ، وكان ذلك من أعظم نعمه سبحانه عليه وفيه بعد وضعف ، وقيل لأن إخراجه من السجن كان سببا لوصوله إلى الملك ، أو لأن مصيبة السجن عنده كانت أعظم لطول مدتها ولمصاحبة الأوباش وأعداء الدين فيه بخلاف مصيبة الجب لقصر مدتها ولكون المؤنس له فيها جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة . وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أي البادية أي أرض كنعان بالشام وكانوا أهل مواشي وبرية فسكنوا البادية ، وقيل إن يعقوب عليه السلام تحول إلى البادية بعد النبوة لأن اللّه لم يبعث نبيا من البادية وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له بدا وفيه نظر والبدو هو البسيط من الأرض والبدو خلاف الحضر والبادية خلاف الحاضرة ، قال الخفاجي البادية والبدو بمعنى ، قيل سميت به لأن ما فيها يبدو للناظر لعدم ما يواريه . مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي أي بعد أن أفسد بيننا وحمل