صديق الحسيني القنوجي البخاري
464
فتح البيان في مقاصد القرآن
بعضنا على بعض يقال نزغه إذا نخسه وأصله من نخس الدابة ليقوي مشيها وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرما منه وتأدبا إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ قال الأزهري : هو من أسماء اللّه تعالى معناه الرفيق بعباده يقال لطف فلان بفلان يلطف إذا رفق به . وقال عمرو بن أبي عمرو : اللطيف الذي يوصل إليك أربك « 1 » في لطف ، قال الخطابي ؛ اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون ، وقيل اللطيف العالم بدقائق الأمور ، قال قتادة : لطف بيوسف عليه السلام وصنع له حين أخرجه من السجن وجاء بأهله من البدو ونزع من قلبه نزع الشيطان وتحريشه على إخوته . لِما يَشاءُ أي لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه الصواب إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بأموره الْحَكِيمُ في أفعاله . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 101 إلى 106 ] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 104 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) ولما أتمّ اللّه نعمته على يوسف عليه السلام بما خلصه من المحن العظيمة ، وبما خوله من الملك وعلمه من العلم ، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع فقال رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ من للتبعيض أي بعض الملك لأنه لم يؤت كل الملك ، إنما أوتي ملكا خاصا وهو ملك مصر في زمن خاص ، وقيل زائدة ، وقيل لبيان الجنس ، والملك عبارة عن الاتساع في الشيء المقدور لمن له السياسة والتدبير ولم يملك جميع أقطار الأرض إلا أربعة : اثنان مسلمان إسكندر وسليمان ، واثنان كافران بختنصر وشداد بن عاد . قلت وسيملك خامس وهو عيسى ابن مريم حين ينزل من السماء إلى الأرض كما وردت به الأحاديث الصحيحة . وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي بعضها لأنه لم يعط جميع علم التأويل سواء أريد به مطلق العلم والفهم أو مجرد تأويل الرؤيا ، وقيل من اللجنس كما في قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] وقيل زائدة كما تقدم .
--> ( 1 ) الإربة والأرب : الحاجة .