صديق الحسيني القنوجي البخاري
442
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمعنى أنه جعل السقاية التي هي الصواع فِي رَحْلِ أَخِيهِ الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر ثُمَّ بعد ذلك أَذَّنَ نادى مُؤَذِّنٌ مناد وأعلم معلم ، والأذان في اللغة الأعلام ، وكان ذلك النداء مع رفع الصوت مرارا كثيرة بدليل التفعيل بعد انفصالهم عن مجلس يوسف عليه السلام حتى انطلقوا وخرجوا من العمارة ، ثم أرسل خلفهم من استوقفهم وحبسهم كما يشير له التعبير بثم التي للتراخي بل قيل إنهم وصلوا إلى بلبيس وردوا من عندها . أَيَّتُهَا الْعِيرُ قال الزجاج : معناه يا أصحاب العير ، أي الإبل فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة كما قاله السمين ، وفي المصباح العير بالكسر اسم للإبل التي تحمل الميرة في الأصل ثم غلب على كل قافلة ، انتهى . وكل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير ، قاله الهيثم ، وقيل قافلة الحمير . وقال أبو عبيدة : العير الإبل المرحولة المركوبة ، ثم كثر ذلك في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير لأنه يعير أي يذهب ويجيء . إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ نسبة السرقة إليهم على حقيقتها لأن المنادي غير عالم بما دبره يوسف عليه السلام . وقيل إن المعنى أن حالكم حال السارقين من كون الصواع صار لديكم من غير رضا من الملك ، وليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف عليه السلام ، وهو الأقرب إلى ظاهر الحال ؛ لأنهم طلبوا السقاية فلم يجدوها ولم يكن هناك أحد غيرهم ، وغلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم ؛ وقيل غير ذلك وهذا أولى . قالُوا أي إخوة يوسف عليه السلام وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أي حال كونهم مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك ، أي التفتوا إليهم وخاطبوهم بقوله ما ذا تَفْقِدُونَ أي ما الذي فقدتموه ، والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه ، يقال فقدت الشيء إذا عدمته بضياع أو نحوه ، فكأنهم قالوا ماذا ضاع عليكم وما استفهامية وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة . قالُوا في جوابهم نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وقرىء بالغين المعجمة وقرىء صوع وصياع وصاع ، وقال الزجاج : الصواع الصاع بعينه وهو يذكر ويؤنث وهو السقاية ، قال ابن عباس : كل شيء شربت منه فهو صواع وقيل الصواع الذي يكال به وجمعه أصوع والصواع لغة فيه وجمعه صيعان وفيه قراءات كثيرة وهي ثمانية كلها لغات في هذا الحرف ، والمراد هنا آلة الكيل سماها تارة كذا وتارة كذا وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت . وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام جعلا له لا على نية تحقيق الوعد