صديق الحسيني القنوجي البخاري
443
فتح البيان في مقاصد القرآن
لجزمهم بامتناع « وجود » الشرط وعزمهم على ما لا يخفى من أخذ من وجد في رحله ، وهذا قول المؤذن وحده فهو الذي كفر وضمن والبعير الجمل ، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار ؛ والمراد بالحمل ههنا ما يحمله البعير من الطعام . ثم قال المنادي وَأَنَا بِهِ أي بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية زَعِيمٌ كفيل ، قاله ابن عباس أي بلسان أهل اليمن . وعن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله ، ولعل القائل بفقد صواع الملك هو المنادي ، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحدا منهم ، ثم رجع الكلام إلى نسبة القول إلى المنادي وحده لأنه القائل بالحقيقة وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم في ذلك الزمان . قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ التاء بدل من واو القسم عند الجمهور ، وقيل من الباء وقيل أصل بنفسها وأيا ما كان ففيه التعجب ، ولا تدخل إلا على هذا الاسم الشريف دون سائر أسمائه سبحانه وقد دخلت نادرا على الرب وعلى الرحمن ، والكلام على هذا مستوفى في علم الإعراب . وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة جانبهم وطهارة ذيلهم عن التلوث بقذر الفساد في الأرض الذي من أعظم أنواعه السرقة لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرة الأولى وهذه المرة من التعفف والزهد عما هو دون السرقة بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم بأنهم ليسوا ممن يتجارى على هذا النوع العظيم من أنواع الفساد ، ولو لم يكن من ذلك إلا ردهم لبضاعتهم التي وجدوها في رحالهم لكفى ، والمراد بالأرض هنا أرض مصر . ثم أكدوا هذه الجملة التي اقسموا باللّه عليها بقولهم : وَما كُنَّا سارِقِينَ لزيادة التبري مما قذفوهم به والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة الرذيلة الشنعاء . قالُوا فَما جَزاؤُهُ هذه جملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في نظائرها ، والقائلون هم أصحاب يوسف عليه السلام أو المنادي منهم وحده كما مر ، والضمير في جزاؤه للصواع على حذف مضاف أي فما جزاء سرقة الصواع عندكم أو الضمير للسارق . إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة ؛ وذلك بأن يوجد الصواع معكم . فأجاب إخوة يوسف عليه السلام قالُوا جَزاؤُهُ أي جزاء سرقة الصواع أو جزاء سارق الصواع والتقدير جزاء السرقة للصواع أخذ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ واسترقاقه ، وتكون جملة فَهُوَ جَزاؤُهُ لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها . قال الزجاج : هو زيادة في البيان أي جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير .