صديق الحسيني القنوجي البخاري

431

فتح البيان في مقاصد القرآن

تأويل رؤياي منك ، فعبرها له بأكمل بيان وأتم عبارة ، فلما سمع الملك منه ذلك قال له : إنك اليوم لدينا مكين أمين . فلما سمع يوسف عليه السلام منه ذلك قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي ولني أمر الأرض التي أمرها إليك ، وهي أرض مصر ، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال والطعام ، جمع خزينة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء ، طلب يوسف عليه السلام منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل ، ورفع الظلم ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان باللّه وترك عبادة الأوثان . وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل أن يطلب ذلك لنفسه ، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبا فيما يرومه وتنشيطا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به . ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من النهي عن طلب الولاية والمنع من توليه من طلبه أو حرص عليها ، وكان يوسف عليه السلام طلبه ابتغاء لوجه اللّه لا لحب الملك والدنيا وبهذا يجمع بينهما . إِنِّي حَفِيظٌ وهو الذي يحفظ الشيء أي إني حفيظ لما جعلته إليّ من حفظ الأموال لا أخرجها في غير مخارجها ولا أصرفها في غير مصارفها عَلِيمٌ بوجوه جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها ومصالحها . عن شيبة بن نعامة الضبي قال : يقول اجعلني على جميع الطعام إني حفيظ لما استودعتني عليم بسنين المجاعة . وقيل حفيظ لما استودعتني عليم لما وليتني ، وقيل حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني . وَكَذلِكَ أي مثل ذلك التمكين العجيب مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي جعلنا له مكانا فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر . روي أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين والتمكين عبارة عن كمال قدرته ونفوذ أمره ونهيه حتى لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره وصار الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع وصار الناس يعملون على أمره ونهيه . يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ أي ينزل منها حيث أراد بعد الضيق والحبس ويتخذه مباءة وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدم وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر كما يتصرف الرجل في منزله ، وفي القصة أن الملك توّجه وختمه وولاه مكان العزيز وعزله فمات بعد ، فزوجه امرأته فوجدها عذراء وولدت له ولدين وأقام العدل بمصر ودانت له الرقاب . قاله السيوطي .