صديق الحسيني القنوجي البخاري

432

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن ابن زيد أن يوسف عليه السلام تزوج امرأة العزيز فوجدها بكرا ، وكان زوجها عنينا ، وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق ، وقد قدمنا الكلام مستوفى على هذا في قوله سبحانه وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [ هود : 113 ] قال مجاهد : ولم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به حتى أسلم الملك وكثير من الناس فذلك قوله وَكَذلِكَ مَكَّنَّا الخ . نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ من العباد فنرحمه في الدنيا بالإحسان إليه والإنعام عليه وفي الآخرة بإدخاله الجنة وإنجائه من النار وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ في أعمالهم الحسنة التي هي مطلوبنا منهم ، أي لا نضيع ثوابهم فيها ومجازاتهم عليها . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي أجرهم في الآخرة ، وأضيف الأجر إلى الآخرة للملابسة واللام للقسم وأجرهم هو الجزاء الذي يجازيهم اللّه به فيها وهو الجنة التي لا ينفذ نعيمها ولا تنقضي مدتها . خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا باللّه وَكانُوا يَتَّقُونَ الوقوع فيما حرمه عليهم ، والمراد بهم المحسنون الذين تقدم ذكرهم ، وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى ، وفي الكلام إظهار في مقام الإضمار للتوصل إلى وصفهم بالإيمان والتقوى بعد وصفهم بالإحسان وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ أي جاؤوا إلى مصر من أرض كنعان ليمتاروا لما أصابهم القحط وكانوا عشرة ، وكان مسكنهم بالعربات من أرض فلسطين ، والعربات ثغور الشام وكانوا أهل بادية وشياه . فَدَخَلُوا عَلَيْهِ أي على يوسف عليه السلام وهو في مجلس ولايته فَعَرَفَهُمْ لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة لحالهم يومئذ لأنه فارقهم رجالا قيل بأول نظرة نظر إليهم عرفهم ، وقيل لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه . قاله الحسن والأول أولى وهو ظاهر النظم القرآني ، وبه قال ابن عباس ومجاهد . وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ لم يعرفوه لأنهم فارقوه صبيا يباع بالدراهم في أيدي السيارة بعد أن أخرجوه من الجب ، ودخلوا عليه الآن وهو رجل عليه أبهة الملك ورونق الرياسة وعنده الخدم والحشم ، وقيل إنهم أنكروه لكونه في تلك الحال على هيئة ملك مصر ولبس تاجه وتطوق بطوقه ، وقيل كانوا بعيدي العهد منه فلم يعرفوه . قيل كان بين أن قذفوه بالجب وبين دخولهم عليه مدة أربعين سنة ؛ فلذلك أنكروه ، وقيل غير ذلك ، وكل واحد من هذه الأسباب مانع من حصول المعرفة فكيف