صديق الحسيني القنوجي البخاري
424
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ المختلطة بِعالِمِينَ يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة ، أي ليس لها تأويل عندنا وإنما التأويل للمنامات الصادقة كأنه مقدمة ثانية للعذر لجهلهم بتأويله ؛ نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له لا مطلق العلم بالتأويل . وقيل إنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل مطلقا ولم يدعوا أنه لا تعبير لهذه الرؤيا ، وقيل إنهم قصدوا محوها من صدر الملك حتى لا يشتغل بها ولم يكن ما ذكروه من نفي العلم حقيقة . وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما أي من الغلامين ، وهو الساقي الذي قال له يوسف عليه السلام : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ وَادَّكَرَ بالدال المهملة على قراءة الجمهور وهي الفصيحة ، وقرىء بالمعجمة أي تذكر الساقي يوسف عليه السلام وما شاهده منه من العلم بتعبير الرؤيا بَعْدَ أُمَّةٍ مدة طويلة وحين بعيد ، ومنه إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ إلى وقت قال ابن درستويه : والأمة لا تكون على الحين إلا على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، كأنه قال : واللّه أعلم وادّكر بعد حين أمة أو بعد زمن أمة . قيل وسمي الحين من الزمان أمة لأنه جماعة أيام ، والأمة الجماعة الكثيرة من الناس . قال الأخفش : هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع ، وكل جنس من الحيوان أمة ، وقرىء بعد أمة أي بعد نسيان ، وإمة بكسر الهمزة أي بعد نعمة ، وهي نعمة النجاة . وعن الحسن : بعد أمة من الناس . وقال ابن عباس : بعد سبع سنين وقيل تسع سنين وقيل سنتين . أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي أخبركم به بسؤالي عنه من له علم بتأويله ، وهو يوسف عليه السلام أو أدلكم عليه أو أخبركم بمن عنده تأويله فَأَرْسِلُونِ خاطب الملك بلفظ الجمع للتعظيم ، أو خاطبه ومن كان معه من الملأ ، طلب منهم أن يرسلوه إلى يوسف عليه السلام ليقص عليه رؤيا الملك حتى يخبره بتأويلها فيعود بذلك إلى الملك أو إلى السجن . فأتى السجن فقال يا يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ إنما سماه صديقا لأنه لم يجرب عليه كذبا قط والصديق الكثير الصدق والذي لم يكذب قط ، وقيل لأنه صدق في تعبير رؤياه التي رآها في السجن ، وجملة مجيء الرسول ليوسف عليه السلام في السجن أربع مرات هذه أولاها . أَفْتِنا أي أخبرنا وبين لنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ وترك ذكر الرؤيا اكتفاء بما هو واثق به من فهم يوسف عليه السلام بأن ذلك رؤيا وإن المطلوب منه تعبيرها . ولما عاين علو رتبته عليه السلام في الفضل عبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما