صديق الحسيني القنوجي البخاري

425

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال هو وصاحبه أولا نبئنا بتأويله ، وفي قوله أفتنا مع أنه المستفتي وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة ، وإنه في ذلك معبر وسفير كما آذن بذلك حيث قال لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي إلى الملك ومن عنده من الملأ بتأويل هذه الرؤيا أو إلى أهل البلد إذ قيل إن السجن لم يكن فيه . لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ما تأتي به من تأويل هذه الرؤيا أو يعلمون فضلك ومنزلتك ومعرفتك لفن الرؤيا ، وإنما لم يبت الكلام فيها لأنه لم يكن جازما بالرجوع فربما اخترمته المنية دونه ولا يعلمهم . قالَ تَزْرَعُونَ مستأنفة كغيرها مما يرد هذا المورد سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً أي متوالية متتابعة ، قرىء بفتح الهمزة وسكونها وهما لغتان في مصدر دأب في العمل إذا جدّ فيه وتعب ، قال الفراء : حرك لأن فيه حرفا من حروف الحلق ، وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز في كلمات معروفة . وأصل معنى الدأب التعب ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ عن مداومة العمل اللازم له التعب وانتصابه بفعل مقدر أي تدأبون دأبا ، قاله سيبويه ، أو على أنه مصدر واقع موقع الحال فيكون فيه الأوجه المعروفة إما المبالغة وإما وقوعه موقع الصفة وإما على حذف مضاف أي دائبين أو ذوي دأب ، أو جعلهم نفس الدأب مبالغة ، فعبر يوسف عليه السلام السبع البقرات السمان والسنبلات الخضر بسبع سنين فيها خصب ، والعجاف واليابسات بسبع سنين فيها جدب وأوّل ابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة ، واستدل بالسبع الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله : فَما حَصَدْتُمْ في كل سنة من السنين المخصبة فَذَرُوهُ أي ذلك المحصود فِي سُنْبُلِهِ وقصبه ليكون القصب علفا للدواب ولا تفصلوه عنها لئلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها ، قيل وهذه نصيحة منه لهم خارجة عن التعبير وما شرطية أو موصولة وسنبل فنعل بضم الفاء والعين الواحدة سنبلة ، يقال سنبل الزرع أي أخرج سنبله . إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ في هذه السنين المخصبة فإنه لا بدّ لكم من فصله عن سنبله وإخراجه عنها ، واقتصر على استثناء المأكول دون ما يحتاجون إليه من البذر الذي يبذرونه في أموالهم لأنه قد علم من قوله تزرعون . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ السبع السنين المخصبة سَبْعٌ شِدادٌ أي سبع سنين مجدبة ممحلة شديدة يصعب أمرها على الناس وهي تأويل السبع العجاف والسبع اليابسات . يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها في السنين