صديق الحسيني القنوجي البخاري
423
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَ رأيت سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبها وَ رأيت سبعا أُخَرَ يابِساتٍ وهي التي قد بلغت حدّ الحصاد ، وإنما حذف اسم العدد لأن التقسيم في البقرات يقتضي التقسيم في السنبلات وكان قد رأى أن السبع السنبلات اليابسات قد أدركت الخضر والتوت عليها حتى غلبتها ولم يبق من خضرتهن شيء ولعل عدم التعرض لذكر هذا في النظم القرآني للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات ، ولما شاهد الناقص الضعيف قد استولى على القوي الكامل حتى غلبه وقهره أراد أن يعرف ذلك فقال : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ الخطاب للأشراف من قومه ، وقيل هم السحرة والكهنة والمعبرون للرؤيا ، والمعنى أخبروني بحكم هذه الرؤيا إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي تعلمون عبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها ، وأصل العبارة مشتقة من عبور النهر وهو المجاوزة ، فمعنى عبرت النهر بلغت شاطئه ، فعابر الرؤيا يخبر بما يؤول إليه أمرها . قال الزجاج : اللام في للرؤيا للبيان ، وقيل هو لتقوية العامل وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفواصل . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 44 إلى 48 ] قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ( 44 ) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( 46 ) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) قالُوا هذه أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليطها وهي جمع ضغث وهو في الأصل كل مختلط من أخلاط من بقل أو حشيش أو غيرهما فاستعير للرؤيا الكاذبة ، والأحلام جمع حلم وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها كما يكون من حديث النفس ووسواس الشيطان ، والإضافة بمعنى من أي هي أضغاث من أحلام أخرجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبة تؤول إليها ويعتني بأمرها وجمعوها وهي رؤيا واحدة مبالغة في وصفها بالبطلان كما في قولهم فلان يركب الخيل ويلبس العمائم لمن لا يملك إلا فرسا واحدا وعمامة فردة ، أو لتضمنها أشياء مختلفة من البقرات السبع السمان والسبع العجاف ، والسنابل السبع الخضر والأخر اليابسات . فتأمل حسن موقع الأضغاث مع السنابل ، فللّه درّ شأن التنزيل ، ويجوز أن يكون رأى مع هذه الرؤيا غيرها مما لم يقصه اللّه علينا . قال ابن عباس : أضغاث أحلام يقول مشتبهة ، وعنه قال الكاذبة ؛ وعن الضحاك مثله .