صديق الحسيني القنوجي البخاري

422

فتح البيان في مقاصد القرآن

الشيطان ذكر ربه هو يوسف عليه السلام لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين ، وأجيب بأن النسيان بمعنى الترك وأنه عوقب بسبب استعانته بغير اللّه سبحانه ، ويؤيد رجوع الضمير إلى يوسف عليه السلام ما بعده من قوله فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ويؤيد رجوعه إلى الذي نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] . فَلَبِثَ يوسف عليه السلام فِي السِّجْنِ بسبب ذلك القول الذي قاله للذي نجا من الغلامين أو بسبب ذلك الإنساء ، أخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو لم يقل يوسف عليه السلام الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير اللّه » . وعن عكرمة مرفوعا نحوه وهو مرسل بِضْعَ سِنِينَ البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما حكاه الهروي عن العرب وبه قال قتادة . وحكي عن أبي عبيدة أن البضع ما دون نصف العقد ، يعني ما بين واحد إلى أربعة ، وقيل ما بين ثلاث إلى سبع قاله مجاهد ، وقيل هو ما دون العشرة . وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس ، وقد اختلف السلف في تعيين قدر المدة التي لبث فيها يوسف عليه السلام في السجن ، فقيل سبع سنين ، قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منبه ، وقيل اثنتي عشرة سنة ، قاله ابن عباس ، وقيل أربع عشرة سنة قاله الضحاك ، وقيل خمس سنين . وعن أنس قال : أوحي إلى يوسف عليه السلام من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلونك ؟ قال : أنت يا رب ، قال : فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه ؟ قال : أنت يا رب ، قال : فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك ؟ قال : أنت يا رب ، قال : فما لك نسيتني وذكرت آدميا ؟ قال : جزعا وكلمة تكلم بها لساني ، قال : فوعزتي لأخلدنك في السجن بضع سنين ، فلبث فيه سبع سنين ، أخرجه ابن أبي شيبة وعبد اللّه بن أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله . وَ لما دنا فرج يوسف عليه السلام قالَ الْمَلِكُ أي الملك الأكبر وهو الريان بن الوليد الذي كان العزيز وزيرا له إِنِّي أَرى أي رأيت في منامي سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خرجن من نهر يابس يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ أي مهازيل في غاية الضعف ، والتعبير في الموضعين بالمضارع لاستحضار الصورة والسمان جمع سمين وسمينة ، يقال رجال سمان كما يقال نساء كرام ، والعجاف جمع عجفاء سماعي وقياس جمعه عجف لأن فعلى وافعل لا تجمع على فعال ولكنه عدل عن القياس حملا على السمان لأنه نقيضه .