صديق الحسيني القنوجي البخاري
421
فتح البيان في مقاصد القرآن
يوسف عليه السلام والمراد بالظن العلم لأنه قد علم من الرؤيا نجاة الشرابيّ وهلاك الخباز ، هكذا قال جمهور المفسرين . وقيل الظاهر أنه على معناه لأن عابر الرؤيا إنما يظن ظنا ، والأول أولى وأنسب بحال الأنبياء ، ولا سيما وقد أخبر عن نفسه عليه السلام بأنه قد أطلعه اللّه على شيء من علم الغيب كما تقدم . اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ هي معقول القول ، أمره بأن يذكره عند سيده ويقول له إن في السجن غلاما محبوسا ظلما منذ خمس سنين ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير والاطلاع على شيء من علم الغيب فخرج . فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وكانت هذه المقالة منه صادرة عن ذهول ونسيان عن ذكر اللّه بسبب الشيطان ، فيكون ضمير المفعول في أنساه عائدا إلى يوسف عليه السلام ، هكذا قال أكثر المفسرين ، ويكون المراد بربه في قوله ذكر ربه هو اللّه سبحانه ، أي أنسى الشيطان يوسف عليه السلام ذكر اللّه تعالى في تلك الحال . فقال للذي ظن أنه ناج منهما يذكره عند سيده ليكون ذلك سببا لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته ، وذلك غفلة عرضت له عليه السلام فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر وإن كانت جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف عليه السلام أعلى المقامات ورتبته أعلى الرتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار مؤاخذا بهذا القدر ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وذهب جماعة من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه وهو الذي نجا من الغلامين وهو الشرابي ، والمعنى أنسى الشرابي الشيطان ذكر سيده ، أي ذكره لسيده فلم يبلغ إليه ما أوصاه به يوسف عليه السلام من ذكره عند سيده ، ويكون المعنى فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف عليه السلام مع خلوصه من السجن ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك . وقد رجح هذا بكون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء . وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف عليه السلام ونسبته إلى الشيطان على طريق المجاز ، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما يخبرون به عن اللّه سبحانه . وقد صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني » « 1 » . ورجح أيضا بأن النسيان ليس بذنب ، فلو كان الذي أنساه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 31 ، ومسلم في المساجد حديث 89 ، وأبو داود في الصلاة باب 190 ، والنسائي في السهو باب 25 ، وابن ماجة في الإقامة باب 133 .