صديق الحسيني القنوجي البخاري
42
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أي أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال وأعلم كل منكم الآخر للخروج له لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لخالف بعضكم بعضا فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالوعد وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فالميعاد معناه التواعد والميعاد المواعدة ووقتها ومكانها كما في القاموس . وَلكِنْ جمع اللّه بينكم في هذا الموطن بغير ميعاد لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي حقيقا بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه وإذلال الكفر فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم ، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها ولم يكن في حسبان الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة . لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ أي ليموت من يموت عن بينة ويعيش من يعيش عن بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه ، لئلا تبقى لأحد على اللّه حجة ، وقيل الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة ويقين بأنه دين الحق ، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة ، وهو معنى قول ابن إسحاق وقتادة وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ بكفر الكافرين وإيمان المؤمنين عَلِيمٌ بهما لا يخفى عليه خافية . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 43 إلى 47 ] إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ المعنى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رآهم في منامه قليلا فقص ذلك على أصحابه ، فكان ذلك سببا لثباتهم ، قاله مجاهد ولو رآهم في منامه كثيرا لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر هل يلاقونهم أم لا ، والمضارع بمعنى الماضي لأن نزول الآية كان بعد الإراءة . وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ وعصمهم من الفشل والتنازع فقللهم في عين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام ، قال ابن عباس : سَلَّمَ أي أتم يقول سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم ، وقيل عنى بالمنام محل النوم وهي العين أي في موضع منامك وهو عينك ، روي ذلك عن الحسن ، قال الزجاج : هذا مذهب حسن ، ولكن الأول أسوغ في