صديق الحسيني القنوجي البخاري

43

فتح البيان في مقاصد القرآن

العربية لقوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء وتلك رؤية النوم . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ، وقيل بما فيه من الحب للّه عز وجل ، قاله ابن عباس . وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا أي واذكروا وقت إراءتكم إياهم حال كونهم قليلا حتى قال القائل من المسلمين لآخر أتراهم سبعين قال هم نحو المائة ، قال ابن مسعود : حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه قال : كنا ألفا . وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ أي وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال قائلهم إنما هم أكلة جزور ، وكان هذا قبل القتال والتحام الحرب ، فلما شرعوا فيه كثر اللّه المسلمين في أعين المشركين كما قال في آل عمران : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [ آل عمران : 13 ] ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلا أقدموا على القتال غير خائفين ثم يرونهم كثيرا فيفشلون وتكون الدائرة عليهم ويحل بهم عذاب اللّه وسوط عقابه . لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا في علمه ، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به ، عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير قال : ليلف بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه ، والانعام على من أراد النعمة عليه من أهل ولايته ، وقيل المراد بالأمر إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله ، وإذلال كلمة الشرك وخذلان أهله ، والمعاني متقاربة وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ أي تصير الْأُمُورُ كلها يفعل فيها ما يريد ويقضي في شأنها ما يشاء . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً اللقاء الحرب والفئة الجماعة ولا واحد لها من لفظها ويجمع على فئات ، وقد تجمع بالواو والنون جبرا لما نقص منها أي إذا حاربتم جماعة من المشركين فَاثْبُتُوا لهم ولا تجبنوا عنهم ، وهذا لا ينافي الرخصة المتقدمة في قوله : إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ [ الأنفال : 16 ] فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة ، والرخصة هي في حال الضرورة ، وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف أو التحيز . وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً عند جزع قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد ، وقيل المعنى اثبتوا بقلوبكم واذكروا بألسنتكم فان القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان ، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان . قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ البقرة : 250 ] . وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب ، وتزيغ عندها البصائر .