صديق الحسيني القنوجي البخاري
413
فتح البيان في مقاصد القرآن
هذا وهو حاضر رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به فلام البعد هنا لتعظيم رتبته أو لبعد رتبته وحالته عن رتبة البشر وأصل اللوم الوصف بالقبيح وما أحسن اقتباس السيد غلام علي آزاد رحمه اللّه تعالى من هذه الآية في قوله : أيا صواحب أكباد مقطعة * فذلكن الذي لمتنني فيه ثم لما أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما شاهدنه مما وقعن فيه عند ظهوره لهن ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها من حبه فأقرت بذلك وصرحت بما وقع منها من المراودة له فقالت . وَلَقَدْ اللام لام قسم راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي استعف وامتنع واستعصى مما أريده طالبا لعصمة نفسه عن ذلك وإنما صرحت بذلك لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن وأنهن قد أصابهن ما أصابها عند رؤيته ثم توعدته إن لم يفعل ما تريده منه كاشفة لجلباب الحياء هاتكة لستر العفاف فقالت . وَلَئِنْ لام قسم لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ أي ما قد أمرته فيما تقدم ذكره عند أن أغلقت الأبواب وقالت هيت لك لَيُسْجَنَنَّ أي ليعتقل في السجن وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ من صغر بكسر الغين يصغر صغرا وصغارا والصغير من صغر بالضم صغرا أي من الأذلاء لما يناله من الإهانة ويسلب عنه النعمة والعزة في زعمها فلما سمع يوسف مقالتها هذه عرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز . قالَ مناجيا لربه سبحانه يا رَبِّ السِّجْنُ أي دخوله الذي أوعدتني به هذه وقرأ عثمان السجن بفتح السين وهو مصدر سجنه سجنا أَحَبُّ إِلَيَّ أي آثر عندي لأنه مشقة قليلة نافدة أثرها راحات جليلة أبدية مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من مؤاتاتها التي تؤدي إلى الشقاء والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخيري الدنيا والآخرة . وهذا الكلام منه عليه السلام مبني على ما مرّ من انكشاف الحقائق لديه وبروز كل منها بصورتها اللائقة بها فصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له شائبة محبة لما دعته إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن وإن كان في أحدهما مشقة وفي الآخر لذة . قال بعضهم : لو لم يقل هذا لم يبتل به فالأولى للعبد أن يسأل اللّه العافية ولذلك ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على من كان يسأل الصبر ، والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة خوفا من الحبس والاقتصار على ذكر السجن من حيث إن الصغار من فروعه ومستتبعاته وإسناد الدعوة إليهن جميعا لأن النسوة رغبنه في مطاوعتها وخوفنه من مخالفتها .