صديق الحسيني القنوجي البخاري

414

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن أو لأنه كان بحضرتهن والأول أولى ثم جرى على هذا في نسبة الكيد إليهن جميعا فقال : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه لديّ بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة ، وأما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه اللّه سبحانه في هذه السورة وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدم من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من المخالفة وقيل إنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له يا يوسف اقض لي حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز . وقيل إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح لخطاب جماعة النساء تعظيما لها أو عدولا عن التصريح إلى التعريض ، والكيد الاحتيال وجزم أَصْبُ إِلَيْهِنَّ على أنه جواب الشرط أي أمل إليهن وأتبعهن وأطاوعهن من صبا يصبو إذا مال واشتاق ومنه قول الشاعر : إلى هند صبا قلبي * وهند حبها يصبي « 1 » والصبوة الميل إلى الهوى ومنه ريح الصبا لأن النفس تستطيبها وتميل إليها لطيب نسيمها وروحها . وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ أي ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه أو ممن يعمل عمل الجهال أو ممن يستحق صفة الذم بالجهل وفيه أن من ارتكب ذنبا إنما يرتكبه عن جهالة قال أبو السعود : وهذا فزع منه عليه السلام والتجاء إلى ألطاف اللّه جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب اللّه عزّ وجلّ وسلب القوى والقدر عن أنفسهم مبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث أدركني وإلا هلكت لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 34 إلى 36 ] فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 ) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 ) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ لما قال وإن لا تصرف عني كيدهن كان ذلك منه تعرضا

--> ( 1 ) البيت من الهزج ، وهو لزيد بن ضبة في لسان العرب ( صبا ) ، وفيه « مثلها يصبي » بدل « حبها يصبي » .