صديق الحسيني القنوجي البخاري

41

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا أي إن كنتم آمنتم باللّه وبما أنزلنا على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذه إضافة تشريف وتعظيم للنبي صلى اللّه عليه وسلم يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم بدر ، وبدر ماء بين مكة والمدينة وسمي يومه يوم الفرقان لأن اللّه فرق بين أهل الحق بإظهاره وأهل الباطل بإخماده . يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي الفريقان من المسلمين والكافرين ، عن علي بن أبي طالب قال : كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان ، وهو أول مشهد شهده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقل على الفريق الأكثر . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 42 ] إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 42 ) إِذْ أي اذكروا أيها المسلمون إذ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى قرىء بضم العين في الموضعين وكذا بالفتح والكسر وقرىء بهما أيضا وهي لغات بمعنى واحد ، وهذا هو قول جمهور اللغويين ، والعدوة شط الوادي وشفيره وحافته سميت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها أي منعته ، وقال أبو عمرو : هي المكان المرتفع ، والدنيا تأنيث الأدنى من دنا يدنو أي القربى من المدينة ، والقصوى تأنيث الأقصى من قصا يقصو ، ويقال القصا والأصل الواو وهي لغة أهل الحجاز ، والمعنى وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة ، وعدوكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة والباء بمعنى في كقولك زيد بمكة . وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي والحال أن الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه مما يلي البحر ، وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشد سفلا منكم ، وقيل الواو للعطف ، والركب اسم جمع لراكب أو جمع له وهم العشرة فصاعدا ، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل ، وقد يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب والجمع أركب وركوب كذا قال ابن فارس وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة . والمراد بالركب هنا ركب أبي سفيان وهي المراد بالعير فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر ، قيل وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوهم بالعدوة القصوى ، والركب أسفل منهم ، الدلالة على قوة شأن العدو وشوكته وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها ، وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم ، فامتن اللّه على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه .