صديق الحسيني القنوجي البخاري
407
فتح البيان في مقاصد القرآن
مجرى الظاهر الغالب الوقوع فليس ههنا إلا مجرد إمارة غير مطردة إذ من الجائز أن يجذبه إليها وهو مقبل عليها فينقد القميص من دبر وأن تجذبه وهو مدبر عنها فينقد القميص من قبل . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 28 إلى 30 ] فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 30 ) فَلَمَّا رَأى العزيز قَمِيصَهُ أي قميص يوسف قُدَّ مِنْ دُبُرٍ كأنه لم يكن رأى ذلك أو قد لم يتدبره فلما تنبه له وعلم حقيقة الحال وعرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه السلام قالَ أي العزيز وقيل هذا من قول الشاهد والأول أولى إِنَّهُ أي الأمر الذي وقع فيه الاختلاف بينكما أو أن قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءا مِنْ جنس كَيْدِكُنَّ ومكركن وحيلكن يا معشر النساء إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ خاطب الجنس لأن الحيل والمكايد لا تختص بها ، وإنما وصف الكيد بالعظيم لأن كيدهن أعظم من كيد جميع البشر في إتمام مرادهن لا يقدر عليه الرجال في هذا الباب فإنه ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس . وعن بعض العلماء إني أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] وقال للنساء إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ولأن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهن به الرجال . وفي حاشية الخفاجي : وقيل عليه إن ضعف كيد الشيطان في مقابلة كيد اللّه وعظم كيدهن بالنسبة للرجال وهو ليس بشيء لأنه استدل بظاهر إطلاقهما ومثله مما تنقبض له النفس وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر انتهى . قال الحفناوي : هذا فيما يتعلق بأمر الجماع والشهوة لا عظيم على الإطلاق إذ الرجال أعظم منهن في الحيل والمكايد في غير ما يتعلق بالشهوة . ثم خاطب العزيز يوسف عليه السلام بقوله يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الأمر الذي جرى واكتمه ولا تتحدث به حتى لا يفشو ويشيع بين الناس وقيل معناه لا تكترث به ولا تهتم به فقد بان عذرك ثم أقبل عليها بالخطاب فقال وَاسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ الذي وقع منك ، قال الكرخي : كان العزيز قليل الغيرة ، بل قال في البحر إن قرية تربة إقليم قطفير مصر تقتضي هذا ، ولهذا لا ينشأ فيها الأسد ولو دخل فيها لا يبقى . إِنَّكِ كُنْتِ بسبب ذلك مِنَ الْخاطِئِينَ أي من جنسهم برمي يوسف