صديق الحسيني القنوجي البخاري
4
فتح البيان في مقاصد القرآن
لنا لأنا باشرنا القتال ، وقال الشيوخ : كنا ردءا لكم تحت الرايات ، ولو انكشفتم أي انهزمتم لفئتم أي لرجعتم إلينا ، فنزع اللّه ما غنموه من أيديهم وجعله للّه والرسول فقال : قُلِ لهم الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي حكمها مختص بهما يقسمها بينكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أمر اللّه سبحانه حيث شاء ، وليس لكم حكم في ذلك ، فقسمها صلى اللّه عليه وسلم بينهم على السواء ، رواه الحاكم في المستدرك . وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء حتى نزل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : 41 ] فهي على هذا منسوخة ، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي ، وقال ابن زيد : محكمة مجملة ، وقد بين اللّه مصارفها في آية الخمس ، وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ [ الأنفال : 1 ] أي نفس ما بينكم ، والذي بينهم هو الوصلة الاسلامية ، فالبين هنا بمعنى الاتصال كما في قوله : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ والبين يطلق على الضدين الاتصال والفراق ، وذات هذا البين هي حاله أي الأمور التي تحققه بالمودة وترك النزاع وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أمرهم بالتقوى وإصلاح ذات البين وطاعة اللّه والرسول بالتسليم لأمرهما وترك الاختلاف الذي وقع بينهم ، وقال : امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ باللّه جوابه كما ذهب إليه أبو العباس المبرد وغيره أطيعوا اللّه السابق ، إذ يجوز عندهم تقديم الجواب على الشرط ، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه وهو أنه محذوف لدلالة ما قبله عليه . وفيه من التهييج والالهاب والتنشيط للمخاطبين والحث لهم على المسارعة إلى الامتثال ما لا يخفى مع كونهم في تلك الحال على الإيمان فكأنه قال إن كنتم مستمرين على الإيمان باللّه لأن هذه الأمور الثلاثة لا يكمل الإيمان بدونها ، بل لا يثبت أصلا لمن لم يمتثلها ، فإن من ليس بمتق وليس بمطيع لهما ليس بمؤمن ، قال عطاء : طاعة اللّه والرسول اتباع الكتاب والسنة . أخرجه ابن أبي حاتم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 2 إلى 3 ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ جملة مستأنفة مسوقة لبيان من أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة المستتبعة لما ذكر من الخلال الثلاث ، وفيه مزيد ترغيب لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة ، أي إنما الكاملون في الإيمان المخلصون فيه . الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ أي وعيده وَجِلَتْ أي فزعت وخضعت وخافت ورقت قُلُوبُهُمْ لذكر اللّه استعظاما له وتهيبا من جلاله ، والوجل الخوف والفزع ، يقال وجل