صديق الحسيني القنوجي البخاري
375
فتح البيان في مقاصد القرآن
وفي القاموس الترفة بالضم النعمة والطعام والشيء الظريف تخص به صاحبك وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أطغته وأترف فلان أصر على المكر والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية الحال وسعة الرزق ، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا بأعمارهم في الشهوات النفسانية . وقبل المراد بالذين ظلموا ، تاركوا النهي ورد بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلما ممن لم يباشر وكان ذنبه ترك النهي وقرىء واتبع على البناء للمفعول ومعناه اتبعوا جزاء ما أترفوا فيه ، قال مجاهد : واتبع الذين ظلموا أي في ملكهم وتجبرهم وتركهم للحق ، وقال ابن عباس : أترفوا وأبطروا . وجملة وَكانُوا مُجْرِمِينَ متضمنة لبيان سبب إهلاكهم أي وكان هؤلاء الذين اتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين كافرين والإجرام الآثام والمعنى أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم للشهوات واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها ويجوز أن تكون معطوفة على واتبع الذين أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بسبب ذلك الاتباع مجرمين . وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى أي ما صح ولا استقام بل استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك أنباؤها ويعلم من ذلك حال باقيها من القرى الظالمة واللام لتأكيد النفي بِظُلْمٍ أي متلبسا به قيل هو حال من الفاعل أي ظالما لها والتنكير للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم والمراد تنزيه اللّه تعالى عن ذلك بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى وإلا فلا ظلم فيما فعله اللّه تعالى بعباده كائنا ما كان لما تقرر من قاعدة أهل السنة . قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى وما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح لأن تصرفه في ملكه دليله قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وقوله : وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ آل عمران : 182 ] وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ حال من المفعول والعامل عامله ولكن لا باعتبار تقييده بما وقع حالا من فاعله أعني بظلم لدلالته على تقييد نفي الإهلاك ظلما بحال كون أهلها مصلحين ولا ريب في فساده بل مطلقا عن ذلك . وقيل المراد بالظلم الشرك والباء للسببية أي لا يهلك القرى بسبب إشراك أهلها أي بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض ومتابعة الهوى كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم وأهلك قوم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم لا يظلمون الناس شيئا وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه تعالى .