صديق الحسيني القنوجي البخاري
376
فتح البيان في مقاصد القرآن
ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد الفقراء على حقوق اللّه الغني الحميد وقيل الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم وأنت تدري أن مقام النهي عن المنكرات التي أقبحها الإشراك باللّه لا يلائمه فإن الشرك داخل في الفساد في الأرض دخولا أوليا ولذلك ينهى كل من الرسل الذين قصت أنباؤهم أمته أولا عن الإشراك ثم عن سائر المعاصي التي كانوا يتعاطونها فالوجه حمل الظلم على مطلق الفساد الشامل للشرك وغيره من أصناف المعاصي وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع عنه يكون بعضهم متصدين للنهي عنه وبصنعهم متوجهين إلى الاتعاظ غير مصرين على ما هم عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد . وقيل المعنى وما كان يهلكهم بذنوبهم وهم مخلصون في الإيمان فالظلم المعاصي على هذا ، أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية فقال : وأهلها ينصف بعضهم بعضا ، وروي موقوفا على جرير ، قيل والمراد بالهلاك عذاب الاستئصال في الدنيا وأما عذاب الآخرة فهو لازم لهم . [ سورة هود ( 11 ) : آية 118 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي أهل دين واحد أما أهل ضلالة أو أهل هدى ، وقيل معناه جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه أو مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن ولهذا قال : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في ذات بينهم على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم فكل هؤلاء قد اختلفوا في أديانهم اختلافا كثيرا لا ينضبط ، وقيل مختلفين في الحق أو دين الإسلام وقيل مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير ، وعن ابن عباس في الآية قال : أهل الحق وأهل الباطل . عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى كذلك وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة » . أخرجه أبو داود « 1 » والترمذي بنحوه عن معاوية قال : قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة ، أخرجه أبو داود . قال الخطابي : فيه دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة عن الملة والدين إذ
--> ( 1 ) كتاب السنة باب 1 .