صديق الحسيني القنوجي البخاري

366

فتح البيان في مقاصد القرآن

ولما فرغ اللّه سبحانه من أقاصيص الكفرة وبيان حال السعداء والأشقياء سلّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن النهي عن الامتراء فقال فَلا تَكُ حذف النون لكثرة الاستعمال ولأن النون إذا وقعت طرف الكلام لم يبق عند التلفظ بها إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوها قاله الكرخي فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ أي ما يعبدونه غير نافع لهم ولا ضار ولا تأثير له في شيء والمرية الشك والإشارة بهؤلاء إلى كفار عصره صلى اللّه عليه وسلم من قريش . وقيل المعنى لا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء من الأصنام ، وقيل لا تك في شك من سوء عاقبتهم ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني وهذا النهي له صلى اللّه عليه وسلم هو تعريض لغيره ممن يداخله شيء من الشك فإنه صلى اللّه عليه وسلم لا يشك في ذلك أبدا . ثم بين له سبحانه بقوله : ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ إن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم وان عبادتهم كعبادة آبائهم مِنْ قَبْلُ وفي هذا الاستئناف تعليل للنهي عن الشك والمعنى انهم سواء في الشرك باللّه وعبادة غيره فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من قومك فهم كمن قبلهم من طوائف البشر وفي الخازن يعني انه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام مستند إلا تقليد آبائهم انتهى . وجاء بالمضارع في كما يعبد لاستحضار الصورة . ثم بين له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ من العذاب غَيْرَ مَنْقُوصٍ لا ينقص ذلك شيء وانتصاب غير على الحال والتوفية لا تستلزم عدم النقص فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص كما يجوز أن يوفى وهو كامل ، قال القاضي كالزمخشري : فإنك تقول وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازا انتهى . وأنت خبير بأنه إذا لم تكن قرينة المجاز قائمة كما في هذا المقام لا تكون الحال إلا للتأكيد لأن التوفية تقتضي الإكمال فقد استفيد معناها من عاملها وهو شأن المؤكدة وفائدته دفع توهم التجوز ، قال بعضهم : وجعلها مقيدة له لدفع احتمال كونه منقوصا في حد نفسه مبني على الذهول عن كون العامل هو التوفية تأمل قاله الكرخي ، وقيل المراد نصيبهم من الرزق وقيل ما هو أعم من الخير والشر . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 110 إلى 112 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ أي في شأنه وتفاصيل أحكامه فآمن به قوم وكفر به آخرون وعمل بأحكامه قوم وترك العمل ببعضها آخرون