صديق الحسيني القنوجي البخاري

365

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا أي في علمه تعالى وهم الذين يموتون على الإيمان وإن تقدم منهم كفر أو غيره من المعاصي قرأ الكسائي وغيره سعدوا بضم السين وقرأ الباقون بفتحها ، قال سيبويه : لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان لكونه مما لا يتعدى ، قال النحاس : ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي بضم السين مع علمه بالعربية وهذا لحن لا يجوز . قال السمين : قرأ الأخوان وحفص بضم السين والباقون بفتحها فالأولى من قولهم سعده اللّه أي أسعده حكى الفراء عن هذيل انها تقول كذلك ، قال الأزهري : سعد فهو سعيد كسلم فهو سليم وسعد فهو مسعود ، وقال أبو عمرو بن العلاء : يقال سعد الرجل كما يقال حسن ، وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين ، وفي المصباح : سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعدا وبالمصدر سمي ومنه سعد بن عبادة والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال سعده اللّه يسعده بفتحتين فهو مسعود ، وقرىء في السبعة بهذه اللغة في هذه الآية بالبناء للمفعول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده اللّه وسعد بالضم خلاف شقي . فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ معنى الآية كما مر في قوله ، وأما الذين شقوا إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة التي لا منتهى لها فالمعنى خالدين فيها أبدا وقد عرف من الأقوال المتقدمة ما يصلح لحمل هذا الاستثناء عليه ولا يستقيم إلا على التأويل المذكور في الوجه الخامس والسابع وما بعده عَطاءً اسم مصدر والمصدر في الحقيقة الإعطاء أو يكون مصدرا على حذف الزوائد كقوله أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [ نوح : 17 ] أو منصوب بمقدر يقال عطوت بمعنى ناولت غَيْرَ مَجْذُوذٍ من جذه يجذه إذا قطعه وكسره والجذاذ بكسر الجيم ما تكسر منه والضم أفصح والجذاذات القراضات ، والمعنى يعطيهم اللّه عطاء غير مقطوع يعني انه ممتد إلى غير نهاية . قال القاضي : وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع ولأجله فرق بين الثواب والعقاب في التأبيد انتهى ، قال الخفاجي : وقع لبعضهم هنا أن النار ينقطع عذابها بخلاف نعيم أهل الجنة وأورد فيه حديثا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، وقد تقدم ، قال ابن الجوزي : إنه موضوع وأشار لنحو منه الزمخشري إلا أنه تكلم في ابن عمرو كلاما لا ينبغي ذكره انتهى . وقد ثبت بالنصوص القاطعة أن لا وجود لذلك فيقدر الخلود ، ولا يتوهم جواز التعارض بين هذه وبين النصوص الدالة على عدم الخلود لأن المحتمل لا يعارض القطعي .