صديق الحسيني القنوجي البخاري
360
فتح البيان في مقاصد القرآن
العطف والاستثناء منقطع ، فكأنه قيل خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وزيادة على هذه المدة لا منتهى لها ؛ وقوله هو الذي ظهر أي ظهر له اختياره من ثلاثة عشر وجها للمفسرين في هذا المقام وهو وجه حسن لأن فيه التأبيد بما يعلمه المخاطبون بالمشاهدة ويعترفون به وهو دوام الدنيا . وأما التأبيد بدوام سماوات الآخرة وأرضها كما قيل ففيه انه غير معلوم للمخاطبين خصوصا من ينكر البعث ، وقد استوفى السمين الوجوه المذكورة ، ولنقتصر على نقل بعضها لكونه أقرب من غيره انتهى . ثم ذكر الوجه الثاني والخامس والحادي عشر كما مر . وقال ابن حجر الهيتمي المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر : دلت الآيات والأحاديث على أن عذاب الكفار في جهنم دائم مؤبد ، وما ورد مما يخالف ذلك يجب تأويله ، فمن ذلك قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السماوات والأرض إلا ما شاء اللّه من هذه المدة فلا يكونون فيه خالدين فيها . وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجها يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بمدة دوام السماوات والأرض ، وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه ، فمن الأول أن المراد سماوات الجنة وأرضها إذ السماء كل ما علاك ، والأرض كل ما استقررت عليه ، وكون الجنة والنار لهما سماء وأرض بهذا الاعتبار أمر قطعي لا يخفى على أحد ، فاندفع التنظير في هذا القول بأنه لا يجوز حمل ما في الآية عليه لأنه غير معروف للمخاطبين أو سماوات الدنيا وأرضها وأجرى ذلك على عادة العرب في الاخبار عن دوام الشيء وتأييده بذلك ونحوه كقولهم لا آتيك ما سال سيل وما جن ليل وما طما البحر ، وما قام جبل ، لأنه تعالى يخاطب العرب على عرفهم في كلامهم وهذه الالفاظ في عرفهم تفيد الأبد والدوام . وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش وان السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي خلقنا منه وهما دائمتان أبدا من نور العرش . ثم هذا الجواب إنما يحتاج إليه بناء على أن مفهوم التقييد بدوام السماوات والأرض انهم لا يبقون في النار إلا بقدر مدة دوامهما من حين ايجادها إلى اعدامهما ، ومنع بعضهم ذلك بأن المفهوم من الآية أنهما متى كانتا دائمتين كان كونهم في النار باقيا ، وقضية ذلك أنه كلما حصل الشرط وهو دوامهما حصل المشروط وهو بقاؤهم في النار ، ولا يقتضي انه إذا عدم الشرط يعدم المشروط . فإذا قلنا ما دامتا بقي عقابهم ، ثم قلنا لكنهما دائمتان لزم دوام عقابهم أو لكنهما