صديق الحسيني القنوجي البخاري
361
فتح البيان في مقاصد القرآن
ما بقيتا لم يلزم عدم دوام عقابهم ، لا يقال إذا دام عقابهم بقيتا أو عدمتا فلا فائدة للتقييد بدوامهما لأنا نقول بل فيه أعظم الفوائد وهو دلالته على بقاء ذلك العذاب دهرا دائما طويلا لا يحيط العقل بقدر طوله وامتداده . فأما انه هل لذلك العذاب آخر أم لا فذلك يحصل من أدلة أخرى ، وهي الآيات المصرحة بتأييد خلودهم المستلزم انه لا آخر له ، ومن الثاني انه استثناء من فيها لأنهم يخرجون من النار إلى الزمهرير وإلى شرب الحميم ثم يعودون فيها فهم خالدون فيها أبدا إلا في تلك الأوقات فإنها وإن كانت أوقات عذاب أيضا إلا أنهم ليسوا حينئذ فيها حقيقة أو أن ما لمن يعقل كانكحوا ما طاب لكم من النساء وحينئذ فيكون استثناء لعصاة المؤمنين من ضمير خالدين متصلا بناء على شمول شقوا لهم أو منقطعا بناء على عدم شموله لهم وهو الأظهر ، أو انه منقطع وإلا بمعنى سوى أي ما دامتا سوى ما شاء ربك زيادة على ذلك . وبقيت أجوبة كثيرة أعرضت عنها لبعدها ، ولا ينافي ذلك ما رواه أحمد عن عبد اللّه بن عمر وليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد ، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا ، لأن في سنده من قالوا فيه انه غير ثقة وصاحب أكاذيب كثيرة عظيمة . نعم نقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب الحسن البصري وحماد بن سلمة ، وبه قال علي بن طلحة الوالي وجماعة من المفسرين انتهى . ويرد ما نقله عن الحسن قول غيره ، قال العلماء : قال ثابت : سألت الحسن عن هذا فأنكره ، والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شيء ، وعلى التنزل فمعنى كلامهم كما قاله العلماء ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين ، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم لا يخرجون عنها أبدا كما ذكره اللّه في آيات كثيرة . وفي تفسير الرازي قال قوم : إن عذاب الكفار منقطع وله نهاية ، واستدلوا بهذه الآية وب لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [ النبأ : 23 ] ، وبأن معصية الظالم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم انتهى . والجواب عن الآية وقوله تعالى أحقابا لا يقتضي أن له نهاية لما مر أن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام ، ولا ظلم في ذلك لأن الكافر كان عازما علر الكفر ما دام حيا فعوقب دائما فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم ، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا . واعلم أن التقييد والاستثناء في أهل الجنة ليس المراد بهما ظاهرهما باتفاق الكل لقوله تعالى : غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] فيؤول بنظير ما مر ، ويكون المراد بما إذا