صديق الحسيني القنوجي البخاري

35

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقوله : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ تعليل للمحذوف ولا يصلح للجوابية كما لا يخفى أي سبقت واستقرت سنة اللّه في إهلاك أعدائه ونصر أوليائه . وهذه العبارة مشتملة على الوعيد والتهديد والتمثيل بمن أهلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب اللّه ، أي قد مضت سنة اللّه فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب فليتوقعوا مثل ذلك . عن مجاهد قال : فقد مضت سنة الأولين في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك ، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بما مضى في الأمم المتقدمة من عذاب من قاتل الأنبياء وصمم على الكفر ، وقال السدي ومحمد بن إسحاق : المراد بالآية يوم بدر ، وترسم سنت هذه بالتاء المجرورة وكذا الثلاثة التي في فاطر ، وكذا التي في آخر غافر والإضافة على معنى في . وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي شرك قاله ابن عباس ، وقيل بلاء قاله الحسن ، وقد فسرها جمهور السلف بالكفر ، وقال محمد بن إسحاق : بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا المعنى حتى لا يفتن مسلم عن دينه ، وقد تقدم تفسير هذا في هذا البقرة مستوفى ، والجملة معطوفة على « قُلْ لِلَّذِينَ » ما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا . وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ أي الطاعة والعبادة كلها لِلَّهِ خالصة دون غيره وقال قتادة : حتى يقال لا إله إلا اللّه عليه قاتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإليه دعا ، وقيل يضمحل عنهم كل دين باطل ، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده والمعاني متقاربة . فَإِنِ انْتَهَوْا عما ذكر من الشرك وافتتان المؤمنين وإيذائهم فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بالتحتية باتفاق السبعة ، وقرأ بالفوقية يعقوب من العشرة بَصِيرٌ لا يخفى عليه ما وقع منهم من انتهاء فيجازيهم به . وَإِنْ تَوَلَّوْا عما أمروا به من الانتهاء أو عن الإيمان ، وجوابه محذوف أي فلا تخشوا بأسهم فَاعْلَمُوا أيها المؤمنون أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أي ناصركم عليهم ومتولي أموركم نِعْمَ الْمَوْلى هو وَنِعْمَ النَّصِيرُ فمن والاه فاز ومن نصره غلب . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 41 ] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 41 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما « ما » موصولة وكان القياس فصلها في الرسم من « أن » لكن ثبت