صديق الحسيني القنوجي البخاري
36
فتح البيان في مقاصد القرآن
وصلها في خط المصحف الإمام ، وثبت فصلها أيضا في بعضها على القياس كما ذكره ابن الجزري في قوله : « وخلف الأنفال ونحل وقعا » . غَنِمْتُمْ لما أمر اللّه سبحانه بالقتال بقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة ، ذكر حكم الغنيمة ، والغنيمة قد قدمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدو ، ثم استعملت في كل ما يصاب منهم ، وقد يستعمل في كل ما ينال بسعي . وأما معنى الغنيمة في الشرع فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله أنما غنمتم مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر قال : ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص ، ولكن عرف الشرع قيد هذا اللفظ بهذا النوع . وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [ الأنفال : 1 ] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين وأن قوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر وقيل إنها يعني قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة حكاه الماوردي عن كثير من المالكية . وقالوا : وللإمام أن يخرجها عنهم ، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين ، وكان أبو عبيدة يقول افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة عنوة ومنّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا . وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي ، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين وكيفيتها كثيرة جدا . قال القرطبي : ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [ الأنفال : 1 ] الآية ناسخ لقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ الآية بل قال الجمهور إن قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب اللّه . وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها قال : وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه ، فقال لهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى بيوتكم « 1 » كما في مسلم وغيره ، وليس لغيره أن يقول هذا القول بل ذلك خاص به ، وقوله : أَنَّما غَنِمْتُمْ يشمل كل شيء يصدق عليه اسم الغنيمة قليلا كان أو كثيرا .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 133 .