صديق الحسيني القنوجي البخاري

29

فتح البيان في مقاصد القرآن

بعضهم إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال بعضهم اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه ، فأطلع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك فبات عليّ على فراش النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى لحق بالغار ، فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوه عليا رد اللّه مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا ، فقال : لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال . وروى البيهقي وغيره عنه بأطول مما هنا وفيها ذكر الشيخ النجدي أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة في أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش غلاما ويعطوا كل واحد منهم سيفا ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل ، فقال الشيخ النجدي : هذا واللّه هو الرأي فتفرقوا على ذلك . وَيَمْكُرُونَ بك وَيَمْكُرُ اللَّهُ بهم ، والمكر التدبير في الأمر في خفية ، والمعنى أنهم يخفون ما يعدونه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المكائد فيجازيهم اللّه على ذلك ويرد كيدهم في نحورهم بأن يخرجهم إلى بدر ، ويقلل المسلمين في أعينهم حتى يحملوا عليهم فيقتلوا ، وسمى ما يقع منه تعالى مكرا مشاكلة كما في نظائره ، والمشاكلة تزيده حسنا على حسن ، وقيل استعارة تبعية وقيل مجاز مرسل بعلاقة السببية ، وقيل استعارة تمثيلية . وَاللَّهُ خَيْرُ المجازين لمكر الْماكِرِينَ بمثل فعلهم فهو يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون فيكون ذلك أشد ضرر عليهم وأعظم بلاء من مكرهم ، ووضع خير موضع أقوى ، فيه تنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل اللّه . وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا التي تأتيهم بها وتتلوها عليهم قالُوا تعنتا وتمردا وبعدا عن الحق قَدْ سَمِعْنا ما تتلوه علينا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا الذي تلوته علينا أي مثل هذا القرآن وهو التوراة والإنجيل ، وقد تنازع هذا العامل مع قوله : لَقُلْنا في قوله : مِثْلَ هذا كما يستفاد من الخازن ، قيل إنهم قالوا هذا توهما منهم أنهم يقدرون على ذلك لأنهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه ثم قالوا عنادا وتمردا . إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما يسطره الوراقون من أخبار الأولين وقد تقدم بيانه مستوفى ، وعن السدي أنها نزلت في النضر بن الحرث وكان يختلف إلى أرض فارس والحيرة ويسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار ، وأحاديث العجم ، فلما جاء مكة ووجد النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أوحى إليه قال : قَدْ سَمِعْنا الآية .