صديق الحسيني القنوجي البخاري
30
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 32 ) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) وَ اذكر إِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا أي القرآن الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم هُوَ الْحَقَّ قرىء بالنصب وهو خبر الكون وبالرفع على الخبر ، وبه قرأ الأعمش وزيد بن علي ، وقال ابن عطية : ويجوز في العربية رفع الحق على الخبر هو والجملة خبر لكان ، قال الأخفش : ولا أعلم أحدا بهذا الجائز ( قلت ) قد ظهر من قرأ به وهما رجلان جليلان قاله السمين . مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ قال أبو عبيدة : يقال أمطر في العذاب ، ومطر في الرحمة وقال في الكشاف : قد كثر الإمطار في معنى العذاب ، والإمطار استعارة أو مجاز عن الإنزال أي أنزل عَلَيْنا حِجارَةً فائدة توصيف الحجارة بقوله مِنَ السَّماءِ الدلالة على أن المراد بالحجارة السجيل ، وهو حجارة مسومة أي معلمة معدة لتعذيب قوم من العصاة . أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ قالوا هذا المقالة مبالغة في الجحود والانكار سألوا أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء أو غيرها من أنواع العذاب الشديدة فأجاب اللّه عليهم بقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ يا محمد فِيهِمْ موجود فإنك ما دمت فيهم بأرض مكة فهم في مهلة من العذاب الذي هو الاستئصال ، قال السيوطي : لأن العذاب إذا نزل عم ، ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها . أخرج البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي عن أنس بن مالك قال : قال أبو جهل بن هشام « اللهم إن كان هذا هو الحق » الآية فنزلت وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وعن قتادة أنها نزلت في أبي جهل ، وعن سعيد بن جبير أنها نزلت في النضر بن الحرث ، وعن مجاهد وعطاء نحوه ، قال عطاء : لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر ، قال سعيد بن جبير : قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحرث ، وفيه نزل سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] . وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ روي أنهم كانوا يقولون في الطواف غفرانك فنزلت أي وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ في حال كونهم مستغفرين ، قال ابن عباس : كان فيهم أمانان النبي صلى اللّه عليه وسلم والاستغفار ، فذهب النبي صلى اللّه عليه وسلم وبقي الاستغفار .