صديق الحسيني القنوجي البخاري

18

فتح البيان في مقاصد القرآن

المشركين بقبضة من حصباء الوادي ، فأصابت كل واحد منهم ، وقيل المراد به الرمية التي رمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبي بن خلف بالحربة في عنقه فانهزم ومات منها ، وقيل المراد به السهم الذي رمى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حصن خيبر ، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه . وهذه الأقوال ضعيفة فإن الآية نزلت عقب وقعة بدر ، وأيضا المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي الحقيق أنه وقع على صورة غير هذه الصورة والصحيح كما قال ابن إسحاق وغيره : أن المراد بالرمي المذكور في هذه الآية هو ما كان منه صلى اللّه عليه وآله وسلم في يوم بدر ، فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين فأصابت كل واحد منهم ، ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه . وقال ثعلب المعنى وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي أعانك وأظفرك ، والعرب تقول رمى اللّه لك أي أعانك وأظفرك وصنع لك ، وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز ، قال محمد بن يزيد المبرد : المعنى وما رميت بقوتك إذ رميت ولكنك بقوة اللّه رميت . وقيل المعنى أن الرمية بتلك القبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر ، ولكنها كانت رمية اللّه حيث أثرت ذلك الأثر العظيم ، فأثبت الرمية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه ، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل اللّه عز وجل فكأن اللّه فاعل الرمية على الحقيقة وكأنها لم توجد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصلا ، هكذا في الكشاف . وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسبا وإلى اللّه خلقا لا كما تقول الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل للعبد ثم نفاه عنه وأثبته لنفسه ، فصح هذا النفي والاثبات ، قال الكرخي : نفى الفعل عنهم وعنه باعتبار الإيجاد إذ الموجد حقيقة هو اللّه تعالى ، وإثباته لهم وله باعتبار الكسب والصورة . قال مجاهد : هذا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حين حصب الكفار ، قال قتادة : رماهم يوم بدر بالحصباء ، وعن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتا من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتلك الحصباء وقال : شاهت الوجوه فانهزمنا فذلك قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ « 1 » الآية وعن جابر نحوه . وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعلي : ناولني قبضة من حصباء فناوله

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 81 ، والدارمي في السير باب 15 ، وأحمد في المسند 1 / 308 ، 368 ، 5 / 286 ، 310 .