صديق الحسيني القنوجي البخاري

19

فتح البيان في مقاصد القرآن

فرمى بها في وجوه القوم فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت هذه الآية ، وقال ابن المسيب : أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حربته في يده فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعا من أضلاعه ، وفي ذلك أنزل اللّه وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وعن الزهري نحوه وإسناده صحيح إليهما . قال ابن كثير : وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جدا ، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا بقوس فرمى بها الحصن فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه فأنزل اللّه وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً البلاء يستعمل في الخير والشر على حد وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ [ الأعراف : 168 ] والمراد هنا الخير والنعمة ، وعليه أجمع المفسرين والمعنى ولينعم على المؤمنين بالغنيمة انعاما جميلا أي للانعام عليكم بنعمه الجليلة فعل ذلك لا لغيره . وقيل التقدير لكن اللّه رمى ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين ، وقال عروة بن الزبير : أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة هؤلاء ليعرفوا بذلك حقه ، ويشكروا بذلك نعمته إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لدعائهم عَلِيمٌ بأحوالهم . ذلِكُمْ أي البلاء الحسن والقتل والرمي وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ أي إن الغرض منه بما وقع مما حكته الآيات السابقة ابلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 19 إلى 20 ] إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ الاستفتاح طلب النصر ، وقد اختلف في المخاطبين بالآية من هم فقيل إنها خطاب للكفار تهكما بهم لأنهم الذين وقع بهم الهلاك والذلة ، والمعنى إن تستنصروا اللّه على محمد فقد جاءكم النصر وقد كانوا عند خروجهم من مكة سألوا اللّه أن ينصر أحق الطائفتين وأعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين بالنصر والظفر ، وهو في نفس الأمر دعاء عليهم وإن أرادوا به الدعاء على محمد وحزبه صلى اللّه عليه وسلم ، فتهكم اللّه بهم وسمى ما حل بهم من الهلاك نصرا . ومعنى بقية الآية على هذا القول وَإِنْ تَنْتَهُوا عما كنتم عليه من الكفر والعداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فَهُوَ أي الانتهاء خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا إلى ما كنتم عليه