صديق الحسيني القنوجي البخاري
99
فتح البيان في مقاصد القرآن
والحكم بالعدل على وفق السنة والكتاب دون الرأي البحت والعقل الصرف تقليدا للأحبار والرهبان من غير حجة نيّرة وبرهان واضح إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً فإذا حكمتم فهو يسمع حكمكم ، وإذا أديتم الأمانة فهو يبصر فعلكم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ لما أمر اللّه سبحانه القضاة والوالاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق أمر الناس بطاعتهم هنا ، وطاعة اللّه عز وجل هي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه ، وأولو الأمر : هم الأئمة والسلاطين والقضاة وأمراء الحق ولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدي بهم من المهتدين ، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية . والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية اللّه « 1 » كما ثبت ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال جابر بن عبد اللّه ومجاهد : إن أولي الأمر هم أهل القرآن والعلم ، وبه قال مالك والضحاك ، وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال ابن كيسان : هم أهل العقل والرأي ، وعن ابن عباس قال : هم الفقهاء والعلماء الذين يعلّمون الناس معالم دينهم وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد ، والراجح القول الأول لصحة الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة له ، وإنما تجب طاعته فيما وافق الحق . عن ابن عباس قال نزلت في عبد اللّه بن حذاقة بن قيس بن عدي إذا بعثه النبي صلى اللّه عليه وسلم في سريّة وقصته معروفة « 2 » . قال عطاء طاعة اللّه والرسول اتباع الكتاب والسنة ، وأولي الأمر ، قال أولي الفقه والعلم ، وعن أبي هريرة قال : أولو الأمر هم الأمراء وفي لفظ هم أمراء السرايا وقال جابر بن عبد اللّه : هم أهل العلم وعن مجاهد وأبي العالية نحوه . وقد وردت أحاديث كثيرة في طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقّيدة بأن يكون ذلك في المعروف وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية اللّه .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 39 ، وأبو داود في الجهاد باب 87 ، والنسائي في البيعة باب 34 ، وابن ماجة في الجهاد باب 40 ، في الترجمة ، وأحمد في المسند 1 / 129 ، 131 ، 4 / 426 ، 427 ، 432 ، 436 ، 5 / 66 ، 67 ، 70 . ( 2 ) انظر البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 11 ، ومسلم في الإمارة حديث 31 ، وأحمد في المسند 1 / 337 .