صديق الحسيني القنوجي البخاري

100

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومن جملة ما استدل به المقلدة هذه الآية قالوا : وأولو الأمر هم العلماء ، والجواب أن للمفسرين في تفسيرها قولين أحدهما أنهم الأمراء ، والثاني أنهم العلماء كما تقدم ولا يمتنع إرادة الطائفتين من الآية الكريمة ، ولكن أين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة لأحدهما إلا إذا أمروا بطاعة اللّه على وفق سنة رسوله وشريعته . وأيضا العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم ونهوهم عن ذلك كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم فطاعتهم ترك تقليدهم ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد إلى معصية اللّه ، ولا طاعة له بنص حديث من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم . وإنما قلنا إنه يرشد إلى معصية اللّه لأن من أرشد هؤلاء العامة الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون الصواب من الخطأ إلى التمسّك بالتقليد ، كان هذا الإرشاد منه مستلزما لإرشادهم إلى ترك العمل بالكتاب والسنة إلا بواسطة آراء العلماء الذين يقلدونهم ، فما عملوا به عملوا به وما لم يعملوا به ، لم يعملوا به ولا يلتفتون إلى كتاب وسنة بل من شرط التقليد الذي أصيبوا به أن يقبل من إمامه رأيه ولا يعوّل على روايته ولا يسأله عن كتاب ولا سنة ، فإن سأله عنهما خرج عن التقليد لأنه قد صار مطالبا بالحجة . ومن جملة ما يجب فيه طاعة أولي الأمر تدبير الحروب التي تدهم الناس والانتفاع بآرائهم فيها وفي غيرها من تدبير أمر المعاش وجلب المصالح ودفع المفاسد الدنيوية ، ولا يبعد أن تكون هذه الطاعة في هذه الأمور التي ليست من الشريعة هي المرادة بالأمر بطاعتهم لأنه لو كان المراد طاعتهم في الأمور التي شرعها اللّه ورسوله لكان ذلك داخلا تحت طاعة اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم . ولا يبعد أيضا أن تكون الطاعة لهم في الأمور الشرعية في مثل الواجبات المخّيرة وواجبات الكفاية ، فإذا أمروا بواجب من الواجبات المخيرة أو ألزموا بعض الأشخاص الدخول في واجبات الكفاية لزم ذلك ، فهذا أمر شرعي وجب فيه الطاعة . وبالجملة فهذه الطاعة لأولي الأمر المذكورة في الآية هي الطاعة التي ثبتت في الأحاديث المتواترة في طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية اللّه أو يرى المأمور كفرا بواحا ، فهذه الأحاديث مفسرة لما في الكتاب العزيز ، وليس ذلك من التقليد في شيء بل هو في طاعة الأمراء الذين غالبهم الجهل والبعد عن العلم في تدبير المحاربات وسياسة الأجناد وجلب مصالح العباد ، وأما الأمور الشرعية المحضة فقد أغنى عنها كتاب اللّه العزيز وسنة رسوله المطهرة صلى اللّه عليه وآله وسلم . هذا الذي سقناه هو عمدة أدلة المجوزين للتقليد وقد أبطلناه كما عرفت ، ولهم شبه غير ما حررناه .